محمد عزة دروزة
246
التفسير الحديث
« 16 » أنكر الأصوات : أقبح الأصوات وأشدها بعثا على الإنكار والاشمئزاز ، ولعل المناسبة هي علو صوت الحمير حيث جاء التشبيه مقابل الأمر بالغض من الصوت وعدم رفعه . الآيات احتوت إشارة إلى لقمان الحكيم ومواعظه لابنه ، فذكرت أن اللَّه قد آتى لقمان الحكمة وأوجب عليه الشكر من أجلها ، ونبهه على أن الذي يشكر فإنما يفيد نفسه وأن اللَّه غني عمن يكفره حميد لمن يشكره . وأنه وقف من ابنه موقف الواعظ فنهاه عن الشرك باللَّه واصفا له بالظلم العظيم . ونبهه إلى بعض مظاهر عظمة اللَّه وقدرته وإحاطته بسبيل التدليل على حقه وحده بالخضوع والعبادة . فلو كانت حبة من خردل وكانت في داخل صخرة أو في أي ناحية من أنحاء السماء أو الأرض لأحاط علم اللَّه بها واستحكمت سيطرته عليها . وأمره بإقامة الصلاة للَّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر في الخطوب والملمات وعدم الجزع . وبيّن له ما في ذلك من الدلالة على قوة النفس والخلق والعزيمة . وحذره من التكبر والظهور بمظهر الزهو والبطر والاختيال ، وحثّه على الاعتدال والتواضع والدماثة وحسن الخلق في صلاته بالناس وفي حديثه وفي سيره ومشيه . وقد تخلل المواعظ حكم واستطرادات ، منها ما هو حكاية عن لسان لقمان . ومنها ما هو تقرير قرآني مباشر : 1 - فاللَّه سبحانه غني عن شكر الناس له كما أنه لا يضرّه كفرهم ، فالشاكر ينفع نفسه والكافر يضر نفسه . واللَّه مستوجب للحمد والوجود بذاته مستغن عن غيره سواء أحمده الناس أم لم يحمدوه واعترفوا به أم جحدوه . 2 - واللَّه أوجب على الإنسان البر بوالديه والشكر لهم وقد حملته أمه بخاصة ، وقاست في سبيل ذلك ، ثم في سبيل إرضاعه عامين جهدا ومشقة ، فضلا عما بعد ذلك . غير أن واجب الشكر عليه لوالديه لا يجوز أن يصل إلى طاعتهما في الشرك باللَّه . ففي حالة طلبهما منه ذلك وإلحاحهما عليه لا يكون عليه لهما حق الطاعة وكل ما يكون عليه معاملتهما ومعاشرتهما بالمعروف والحسنى في شؤون