محمد عزة دروزة
200
التفسير الحديث
ويحسن أن ننبه على أمر هام في هذا الصدد ، فالذي يتبادر من روح الآيات والأحاديث أن البدعة والأمور المحدثة المندد بها والمنهي عنها هي ما كان مخالفا للتشريعات والأحكام والنصوص الصريحة في كتاب اللَّه والتأثر في سنة رسوله القولية والفعلية . وكذلك لما في كتاب اللَّه وسنته ورسوله من تنبيهات وتعليمات وتلقينات وخطوط ومبادئ عامة . ومعلوم أن أئمة المذاهب المشهورة الذين تواترت الروايات عن حرصهم على اتباع كتاب اللَّه وسنة رسوله ولم يكونوا من أهل البدع والأهواء ومن سار على دربهم من العلماء والمجتهدين يختلفون في أمور كثيرة في المعاملات والعبادات والاستنباطات والأحكام نتيجة لاختلاف التأويلات وتعدد الأحاديث وقوتها ومراتبها . فالمتبادر أنهم لا يدخلون في شمول هذه الآية والآية [ 153 ] حيث يكونون قد اجتهدوا وتحروا الحق والحقيقة فيما جاء في كتاب اللَّه وسنة رسوله . أما أصحاب الأهواء المشهورة الذين يعمدون إلى الأخذ بما يرونه متساوقا مع أهوائهم من أحاديث وتأويلات ولو لم تكن صحيحة فإنهم يدخلون في شمول الآيتين وهم من الذين عنتهم الأحاديث فيما هو المتبادر ، واللَّه أعلم . وهناك شؤون دنيوية متنوعة ليس فيها شيء في كتاب اللَّه وسنة رسوله . والمتبادر أن ما لم يكن مناقضا للخطوط والتلقينات والمبادئ القرآنية والنبوية العامة ، ولما هو متعارف عليه أو متفق عليه بين جمهور المسلمين بأنه من مصلحة المسلمين العامة وأمنهم وأعرافهم من اجتهادات وقرارات وخطوات وعزائم ومشاريع فيها تنظيم وتقويم وتحسين لمختلف الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمرانية والسلوكية يباشرها ويقوم عليها المسلمون أفرادا وجماعات أو حكومات . فالمتبادر أن ذلك لا يدخل في نطاق المنهي عنه المنذر به ولو يكن منه شيء في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وخلفائه الراشدين . ولو اختلف فيه المسلمون في قطر دون قطر ودولة دون دولة وظرف بعد ظرف ما دام أنه لا يناقض ولا يخالف الخطوط العامة القرآنية والنبوية .