محمد عزة دروزة
186
التفسير الحديث
المخلصين المؤمنين ومجموعة الإسراء جاءت كوصايا ربانية مباشرة . وهذه المجموعة جاءت كبيان موجه إلى السامعين بما حرم اللَّه وأمر في سياق مناظرة قائمة بين النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمشركين مما فيه صور من النظم القرآني وتنوعه . وهذه المجموعة أكثر تشابها وتساوقا مع مجموعة الإسراء ، وقد علقنا على هذه المجموعة بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة الإسراء ، وجل ما قلناه ينسحب على هذه المجموعة فلا نرى حاجة إلى تكراره . غير أن في هذه المجموعة مبدأين لم يردا في تلك . أولهما : النهي عن محاباة ذوي القربى وقول الحق والعدل دون غيرهما . وثانيهما : إيجاب التزام سبيل اللَّه الواضح الواحد الذي لا يتعدد وعدم التفرق مذاهب وشيعا . والمبدأ الأول ينطوي على وجوب التزام المرء الحق والعدل والإنصاف في كل ظرف ، وتجاه أي مؤثر داخلي وخارجي . وفي هذا من السموّ والقوة ما هو ظاهر ولا سيما إن عصبية القرابة من الأمور الراسخة في النفوس . أما المبدأ الثاني فهو مزدوج المدى من حيث إن الآيات موجهة في الدرجة الأولى إلى المشركين تعقيبا على المناظرة وينطوي في ذلك تنبيه إلى أن سبيل اللَّه واحدة لا تعدد فيها وواضحة لا عماء فيها وأن على المشركين الذين يعترفون باللَّه ويتحججون بمشيئته في ما هم عليه من تقاليد أن يلتزموا هذه السبيل ويدعوا المراوغة والأهواء التي تبعدهم عنها إذا كانوا حقا راغبين في الهدى ودين اللَّه . ومن حيث شمول الخطاب للمسلمين في كل زمان ومكان . والمتبادر أنه ينطوي في هذا بالنسبة للمسلمين تقرير كون سبيل اللَّه واحدة وواضحة فيما يقرره القرآن والرسول من المبادئ المحكمة وإيجاب التزام ذلك وعدم الحيدان عنه ، لأن في هذا الضلال عن سبيل اللَّه . وخواتم الآيات الثلاث جديرة بالتنويه من حيث انطواؤها على التنبيه إلى أن هذه الآيات المتضمنة لوصايا اللَّه وبيان ما حرمه إنما تتلى على الناس ليتدبروها ويعقلوها ويتفكروا بواجباتهم فيما يفعلون وليراقبوا اللَّه ويتقوه في أعمالهم . ولقد