محمد عزة دروزة

163

التفسير الحديث

يسيرون وراء وسوسة الشياطين وتزييناتهم وأنهم في نسبتها إلى اللَّه سبحانه يفترون الكذب عليه وأن كل من يقتل ولده ويحرّم ما رزقه اللَّه وينسب ذلك إلى أصل ديني إلهي جهلا أو كذبا هو ضالّ وليس على حقّ وهدى . تعليق على « تقاليد المشركين في الأنعام والحرث وحجرهما وقتل الأولاد نذرا للَّه أو لمعبوداتهم » ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه مناسبة خاصة لنزول الآيات التي تبدو فصلا ذا موضوع جديد . وعطفها على ما سبقها وإضمار الفعل في ( وجعلوا ) الذي يعود كما هو واضح إلى أناس كانوا موضوع الحديث في الآيات المعطوف عليها وهم المشركون يجعل الصلة قائمة بينها وبين ما سبقها كما هو المتبادر ، بحيث يسوغ القول إن الآيات جاءت استطرادية للتنديد بالمشركين بسبب ما كانوا يمارسونه من عادات وتقاليد سخيفة يصبغونها بصبغة دينية وينسبونها إلى اللَّه سبحانه افتراء وجهلا في حين أنها من وساوس الشياطين . وقتل الأولاد المذكور في الآية الثانية ليس هو كما يتبادر لنا من روحها وأد البنات الذي أشير إليه في سورة التكوير التي سبق تفسيرها ، ولا قتل الأولاد خشية الإملاق الذي نهي عنه في سورة الإسراء التي سبق تفسيرها أيضا ، وإنما هو تقليد من التقاليد الجاهلية الدينية كان يمارسه العرب على سبيل النذر ، حيث كانوا إذا ما اشتد على أحدهم خطب أو كان له مطلب عظيم نذر بتقريب أحد أولاده قربانا للَّه أو للشركاء . وقد روت الروايات ( 1 ) أن عبد المطلب جدّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم نذر مثل هذا النذر . وأن امرأة بدوية نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة إن فعلت شيئا عينته ففعلته فأرادت أن تفي بنذرها بعد الإسلام فقيل لها إن اللَّه قد حرّم ذلك فأفدت كما فدى عبد المطلب ابنه ( 2 ) .

--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 141 وما بعدها . ( 2 ) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي ج 5 ص 200 .