محمد عزة دروزة
135
التفسير الحديث
على تلقين مستمر المدى حيث أوجب على المسلمين في كل زمن ومكان التزام هذا الأدب وعدم شتم أديان غيرهم وعقائدهم ، وفي هذا ما فيه من الجلال والروعة التأديبية التي تهدف إلى إبعاد المسلم عن الفحش والبذاءة وإثارة الغير وجرح عاطفته الدينية مهما كانت . ولا سيما أن ذلك متناف مع مبدأ حرية التدين الذي قرره القرآن على ما شرحناه في سياق سورة ( الكافرون ) شرحا يغني عن التكرار ، ومع مبدأ الدعوة إلى اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة الذي قررته آية سورة النحل هذه : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‹ 125 › . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا صحيحا عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ملعون من سبّ والديه ، قالوا يا رسول اللَّه وكيف يسبّ الرجل والديه ؟ قال : يسبّ أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه فيسب أمه » حيث ينطوي في الحديث تأديب نبوي رفيع مستمد من التأديب القرآني ومتساوق معه . تعليق على جملة * ( كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) * إن إطلاق العبارة في هذه الجملة ألهمنا أن نؤولها بما أوّلناها في الشرح المباشر للآية . ونرجو أن يكون هو الصواب وفي الجملة التالية قرينة على ذلك حيث تنذر الناس جميعا بأن مرجعهم إلى اللَّه فينبئهم بما عملوا ويجزيهم عليه . وبكلمة أخرى قرينة على أن الجملة لم تعن قط أن اللَّه أغراهم وزيّن لهم ما يعملون حسنا كان أم سيئا . والآية في جملتها تعني أن اللَّه قد وكلهم في ذلك إلى أخلاقهم وقابلياتهم ، ولقد ورد في سورة النمل التي سبق تفسيرها آية فيها مثل هذه الجملة مصروفة إلى المجرمين حيث يكون تأويلنا على ضوء ذلك في محله أيضا . ولقد أوردنا في سياق الجملة المذكورة في سورة النمل تأويلات المؤولين والمفسرين وعلقنا عليها تعليقا وافيا ، وما قلناه هناك يصح هنا أيضا فنكتفي بهذا التنبيه .