محمد عزة دروزة

134

التفسير الحديث

في الآية نهي للمسلمين عن سبّ آلهة المشركين وعقائدهم ، وتنبيه إلى أن هذا قد يحملهم على المقابلة فيسبون اللَّه تعالى بغيا وجهلا واندفاعا في العصبية والحمية الجاهلية . وتقرير بأن اللَّه تعالى قد جبل الناس على طبيعة استحسان ما يعملون أو أن من مقتضى النظام الذي أقام اللَّه عليه الاجتماع البشري أن يستحسن الناس ما يعملون ، وأن مرد الجميع إليه حيث ينبئهم بما عملوا ويوفيهم عليه بما استحقوا . تعليق على جملة * ( ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه ) * وقد روى المفسرون أنه لما نزلت آية : إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ الأنبياء : [ 98 ] أنذر المشركون النبي صلى اللَّه عليه وسلم قائلين : لتكفن عن سب آلهتنا ولنشتمن إلهك فنزلت الآية ( 1 ) . وهذه الآية من آيات سورة الأنبياء التي يأتي ترتيبها بعد هذه السورة بثماني عشرة سورة . وقد روى المفسرون أيضا أن بعض زعماء المشركين جاؤوا إلى أبي طالب حينما حضرته الوفاة وطلبوا منه أن ينصح ابن أخيه بعدم سب آلهتهم في سياق طويل ، فلما يئسوا منه قالوا له : لتكفن عن سب آلهتنا أو نسب إلهك ، فنزلت الآية ( 2 ) . وأبو طالب توفي أواخر العهد المكي حيث يفرض أن سورة الأنعام نزلت قبل ذلك بأمد غير قصير ، ويضاف إلى هذا أن النهي موجه إلى المؤمنين عامة وليس للنبي صلى اللَّه عليه وسلم خاصة . ومهما يكن من أمر فالآية تدل بدون ريب على أن آلهة المشركين كانت تشتم ، وأن المشركين توعدوا بمقابلة الشتيمة بمثلها أو قابلوها فعلا ، والظاهر أنه كان يحتدم بين المؤمنين والمشركين نقاش ونزاع وأن المؤمنين كانوا ينالون من عقائد هؤلاء ومعبوداتهم سبّا وتحقيرا فيندفع هؤلاء بالحمية والعصبية إلى المقابلة فنهت الآية المسلمين عن ذلك . ومع ما هناك من خصوصية زمنية فإن إطلاق النهي والتعليل في الآية ينطويان

--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبرسي وابن كثير والخازن والبغوي . ( 2 ) المصدر نفسه .