محمد عزة دروزة
133
التفسير الحديث
قرئت كلمة ( درست ) بفتح السين وتسكين التاء من الدروس أي بمعنى ( حتى يقولوا إن ما تتلوه قديم دارس من أساطير الأولين ) . والجمهور على أن كلمة ( درست ) من الدرس لا من الدروس . وقد خطر لنا تأويل آخر نرجو أن يكون هو الصواب وهو ( حتى يقولوا كفاك فقد بلغت وقرأت وكررت وبينت فدع الناس فيؤمن من يبصر ما فيه من هدى ويكفر من عمي قلبه ) وقد استلهمنا هذا من الجملة السابقة للجملة وهي * ( وكَذلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ) * فاللَّه يقلب وجوه الكلام ويأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم تبليغه للناس حتى يقولوا كفى فقد بلغت . وفي أسس البلاغة للزمخشري ( درست الكتاب ) كررت قراءته للحفظ . وجملة * ( وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) * ليست بمعنى أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بتركهم بدون تبليغ ، فهذا من مهمته الأصلية وإنما هي بمعنى الأمر بعدم الاهتمام بموقفهم . وهذا ما تكرر بأساليب عديدة سبقت أمثلة منها في السور التي سبق تفسيرها . ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن الجملة نسخت بآيات القتال . وهذا إنما يصح إذا رافق مواقف المشركين بعد الهجرة طعن في الإسلام وأذى للمسلمين وحسب على ما شرحناه في مناسبات سابقة . هذا ، ونظم الآية الأولى يوهم أن الكلام هو كلام النبي مباشرة ومثل هذا قد تكرر ومرّت أمثلة منه في سور سبق تفسيرها . وقد علقنا على ذلك في سياق الآيات الأولى من سورة هود تعليقا ينسحب على هذه الآية . ومع ذلك فإنه يلحظ أن الآية الثانية احتوت كلاما ربانيا مباشرا في مخاطبة النبي صلى اللَّه عليه وسلم مما ينطوي فيه كون الكلام الأول هو إيعاز رباني بأن يقول ذلك . ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ‹ 108 › « 1 » عدوا : بغيا وتجاوزا لحدود الأدب .