محمد عزة دروزة
76
التفسير الحديث
« 15 » الفؤاد : كناية عن القوة الواعية المدركة في الإنسان . « 16 » تمارونه : تجادلونه . في الآيات قسم رباني في معرض التوكيد بأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يذهل ولم ينحرف عن الحق والصدق ، ولم ينطق بما نطق ولم يبلغ ما بلغ كذبا وشفاء لهوى النفس وخيلائها ، وبأن ما أخبر به هو وحي أوحي إليه ، وقد أبلغه إياه رسول رباني قوي صادق ، وقد رآه في أفق السماء وقد اقترب منه إلى مسافة قريبة جدا ، ومن المكابرة أن تجادلوه فيما رآه وعاينه . وواضح من هذا أن الآيات بسبيل وصف مشهد شهده النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتوكيد صدق ما أخبر به من ذلك . ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا عن الشيباني قال : « سألت زرا عن قوله تعالى : * ( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ‹ 9 › فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ما أَوْحى ‹ 10 › ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * النجم [ 9 - 11 ] فقال : أخبرنا عبد اللَّه أن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رأى جبريل له ستمائة جناح » ( 1 ) . وروى البخاري حديثا عن مسروق جاء فيه : « قال مسروق لعائشة أين قوله تعالى : * ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ‹ 8 › فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) * النجم [ 8 - 9 ] قالت : ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وأتاه هذه المرة في صورته الأصلية فسدّ الأفق » ( 2 ) . وأكثر المفسرين ( 3 ) يرجحون أن المشهد هو مشهد جبريل عليه السلام الذي رآه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالأفق الأعلى ، وهو الأوجه فيما هو المتبادر . ولقد ورد في سورة التكوير آيات فيها بعض ما في هذه الآيات من وصف لملك اللَّه ورؤية النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم له بالأفق وتوكيد ذلك وهي : إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‹ 19 › ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‹ 20 › مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‹ 21 › وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ‹ 22 › وَلَقَدْ رَآه بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ‹ 23 ›
--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 220 . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والنيسابوري إلخ .