محمد عزة دروزة
558
التفسير الحديث
فصلت هذه : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَه عَداوَةٌ كَأَنَّه وَلِيٌّ حَمِيمٌ ‹ 34 › وآية سورة الإسراء هذه : وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ‹ 53 › وآية سورة آل عمران هذه : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ‹ 159 › بحيث يمكن أن يقال إن ما احتوته الآية من حثّ على أخذ الناس بالعفو من أخلاقهم وقبول الميسور منهم والتسامح في معاشرتهم والإغضاء عن طيش جاهليهم من مبادئ القرآن المحكمة . وليس من تعارض بين هذا وبين معاملة من يستحق الشدّة والغلظة والقتال بما يستحق بطبيعة الحال حتى يصحّ القول بنسخ الآية . وقد قال الطبري الذي روى رواية النسخ عن بعض أهل التأويل من الصدر الإسلامي إنه ليس لديه دليل على نسخها ، وإن المراد منها تأديب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمسلمين جميعا وأمرهم بأخذ عفو أخلاق الناس . وتعليمهم صفة عشرة بعضهم بعضا وعشرة من لم يجب أخذه بالغلظة والشدّة . ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه في سياق هذه الآية عن عائشة قالت : « لم يكن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فاحشا ولا متفحّشا ولا صخّابا في الأسواق . ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح » . وحديثا آخر عن جابر قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إن اللَّه بعثني لإتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال » . ولم نطلع على هذين الحديثين في كتاب التاج الذي جمع أحاديث أئمة الحديث الصحيح الخمسة . وهذا لا ينفي صحتهما ولقد روى مؤلف التاج حديثا مقاربا للحديث الأول مرويا عن أنس قال : « لم يكن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فاحشا ولا لعانا ولا سبّابا » ( 1 ) . وروى عن الترمذي وأبي داود حديثا عن أبي الدرداء عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن . وإن اللَّه ليبغض الفاحش البذيء » .
--> ( 1 ) التاج ج 5 ص 33 .