محمد عزة دروزة

539

التفسير الحديث

والإنس كثير لا ينتفعون بما لهم من قلوب ولا أعين ولا آذان ليتدبروا ويروا الحق والهدى ، فهم غافلون عنهما وهم كالأنعام بل أضلّ ، وأن للَّه أحسن الأسماء وأشرفها . فعلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والذين آمنوا أن يدعوه بها وألَّا يعبأوا بالذين يلحدون ويخلطون في أسمائه ويذروهم له فهو الكفيل بجزائهم على ما يفعلون . تعليق على جملة * ( مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * وقد توهم الآية الأولى أنها قصدت تقرير كون اللَّه تعالى هو الذي يحتم الهدى والضلال على الناس بأعيانهم . غير أن في جملة * ( فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * في الآية ثم في الآية التالية لها ما يزيل هذا الوهم ، حيث ينطوي فيها تقرير كون اللَّه قد أودع في البشر من العقل وقوّة التمييز والاختيار ما هو جدير بأن يهديهم إلى الحق ويبيّن لهم طريق الهدى وطريق الضلال . فالذين يختارون سبيل اللَّه فهم المهتدون والذين يختارون الضلال فهم الخاسرون . وبناء على هذا اقتضت حكمة اللَّه أن يكون بعث أخروي وحساب وثواب وعقاب وخلق للجنة وخلق لجهنّم . فأصحاب جهنم هم أولئك الذين فسدت أخلاقهم وخبثت سرائرهم فرضخوا للهوى والمآرب الدنيئة فتعطلت قلوبهم عن فهم الحق وعيونهم عن رؤية معالمه ، وآذانهم عن سماع نذره وحججه وغدوا كالأنعام بل أضلّ لأن الأنعام تسير بغرائزها فلا تضلّ عما ينفعها ولا تقبل على ما يضرّها . وهذا الشرح المستلهم من فحوى الآيات وروحها مؤيد بالتقريرات القرآنية المحكمة التي مرّت أمثلة عديدة منها . ومؤيد كذلك بالآيات التي تقيد الإطلاق الذي جاءت عليه الجملة ذاتها مثل آيات سورة البقرة هذه : يُضِلُّ بِه كَثِيراً وَيَهْدِي بِه كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِه إِلَّا الْفاسِقِينَ ‹ 26 › الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِه وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّه بِه أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ‹ 27 › .