محمد عزة دروزة
440
التفسير الحديث
علنا ويسمعه اليهود ولا يمكن أن يكون ما جاء في القرآن جزافا . ولقد أورد المفسرون ( 1 ) بيانات كثيرة في سياق هذه الحلقة وأحداثها ومعجزاتها . فيها ما هو متسق مع ما ورد في أسفار العهد القديم المتداولة ومنها ما ليس كذلك . وفي بعضها ما يبلغ حدّ المبالغة والإغراب ، وهي معزوّة إلى بعض أصحاب رسول اللَّه وتابعيهم وعلماء الأخبار من عرب ويهود ومسلمين ولم نر طائلا في إيرادها لأن ذلك لا يتصل بالهدف القرآني الذي هو التذكير والموعظة بما يعرفه السامعون والاكتفاء بما اقتضت حكمة التنزيل إيراده منها بدون تعليق وتحشية . على أن ما احتوته كتب التفسير من ذلك قد يكون دالا على أن ما احتوته الحلقة مما كان متداولا في زمن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . هذا ، وما قلناه عقب السلسلة القصصية السابقة في صدد المعجزات الربانية وكونها جزءا من القصص وكونها مع ذلك في نطاق قدرة اللَّه وواجب الإيمان بها يصحّ قوله بالنسبة للمعجزات التي أظهرها اللَّه على يد موسى عليه السلام . ومن مواضع العبرة في هذه الحلقة وصف موقف فرعون وملأه من دعوة اللَّه وآياته وما كان من بغيهم على بني إسرائيل واستكبارهم ومقابلتهم آيات اللَّه بالسخرية والاستخفاف وما كان من انتقام اللَّه منهم : أولا : وما كان من مشهد السحر والتنديد به وانتصار موسى عليه السلام فيه وعدم إصرار السحرة على باطلهم وإيمانهم برسول اللَّه حينما رأوا برهانه ساطعا . ثانيا : وما كان من إنقاذ بني إسرائيل وقضاء اللَّه بأن يورثهم الأرض التي باركها جزاء إيمانهم وصبرهم في أول الأمر . ثالثا : ففي كل ذلك تذكرة وموعظة وضرب مثل وتنبيه للسامعين وإنذار للكفار منهم وتسلية للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمؤمنين وتثبيت لهم وردّ قاطع على كفار العرب الذين كانوا ينسبون السحر إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والسيد رشيد رضا .