محمد عزة دروزة
431
التفسير الحديث
والتدبّر والتروّي وحسبان العواقب والاعتبار بالسوابق . وفيها في ذات الوقت تسلية للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فشأن الجاحدين شأن أمثالهم السابقين . جاءتهم أنبياؤهم فجحدوا وتمردوا . وامتحنهم اللَّه بالضيق ثم باليسر فغفلوا عن مغزى هذا الامتحان وظنوا أن ما وقع عليهم هو عادات الدهر التي تتراوح بين الشدّة والفرج . فلما بلغ البغي منهم أوجه أخذهم اللَّه أخذا قويّا بما كسبت أيديهم في حين أنهم لو آمنوا باللَّه واتقوه بصالح العمل لفتح اللَّه عليهم بركات السماء والأرض . ولكنهم لم يرعووا وقست قلوبهم فحلّ نكال اللَّه بهم . وإنه لأجدر بالسامعين الجاحدين أن يتعظوا بأنباء من سبقهم وأحداثهم ويذكروا أن اللَّه قادر على أن يصيبهم بذنوبهم ، وأن لا يطمئنوا إلى ما هم فيه ويظنوا أنهم في أمن ويغفلوا عن بأس اللَّه ونقمته . فإن المطمئن الغافل هو الخاسر حتما . ولقد بدا أنهم ساروا في طريق أمثالهم ولم يتعظوا وكذبوا نبيهم ولم يف أكثرهم بعهد اللَّه وتمردوا عليه وقست قلوبهم وانسدّت آذانهم وكانوا فاسقين . والأسلوب التقريري القوي الذي جاءت عليه الآيات مطلق التوجيه بحيث يتناول في عظمته وشموله وما فيه من تقرير عادة اللَّه ونواميسه وطبائع أكثر الناس في جميع الأجيال . وما احتواه من تلقين جليل مستمر المدى بطبيعة الحال تبعا لذلك . تعليق على عبارة * ( يَطْبَعُ اللَّه عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ) * وفي الآيتين الأخيرتين ورد مقطعان عن طبع اللَّه على قلوب الكافرين . وهذا التعبير قد تكرر في مواضع عديدة ومناسبات مماثلة . وكان من أسباب التشاد بين علماء الكلام حيث رآه فريق دليلا على أن أعمال الناس ومصائرهم مقدرة محتمة منذ الأزل ، وأوّله فريق آخر رأى في رأي هذا الفريق ما يناقض عدل اللَّه وحكمته في إرسال الرسل ، وما يتناقض مع تقريرات قرآنية متنوعة . والذي يلهمه سياق الآيات هنا وسياق الآيات الأخرى التي ورد فيها هذا