محمد عزة دروزة

43

التفسير الحديث

الروايات ، ومما ذكرته الروايات أن عربيا اسمه أبو رغال صار دليلا للحملة فمات في مكان اسمه المغمس فصار العرب يرجمون قبره استنكارا لخيانته لقومه وظلوا على ذلك دهرا . وأسلوب الآيات ومضمونها يدلان أولا على أن الحادث كان لا يزال صداه يتردد على الألسنة في بيئة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حينما نزلت السورة . وثانيا على أن العرب كانوا يعتقدون أن البلاء الذي وقع على الأحباش وهرّأ أجسامهم ومزق شملهم هو بلاء رباني . وثالثا على أن القصد من التذكير بالحادث الذي كان قريب العهد ، وكان مالئا للأذهان هو الموعظة ودعوة السامعين أو زعماء قريش إلى الارعواء عن مواقف الأذى والجحود التي يقفونها . فاللَّه الذي كان من قدرته أن يصب بلاءه على الأحباش ويمزقهم شرّ ممزق مع ما هم عليه من شدة البأس قادر على أن يصب بلاءه عليهم ويمزقهم . وهم يعرفون ذلك فعليهم أن يرعووا ويحذروا ويتركوا الأذى والعناد . وهكذا يتسق الأسلوب والهدف القرآني في هذه القصة اتساقهما في القصص القرآنية عامة ، على ما شرحنا قبل ، أما ماهية الطير والحجارة فقد ذكر المفسرون القدماء ( 1 ) في صددها أقوالا تجعل الحادث في نطاق المعجزات والخوارق . ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري ظهرا لأول مرة في الحجاز ( 2 ) عقب الحادث كأنما يريدون أن يقولوا إن الطير رمتهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين . وقد أوّل الإمام الشيخ محمد عبده ( 3 ) ذلك بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري . ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني . ولكنا نقول إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال في جانب كون الحادث بلاء ربانيا خارقا كما أن أسلوبها يساعد على القول إنها في صدد التذكير بحادث عظيم ، وإن سامعي القرآن الذين كانوا حديثي عهد

--> ( 1 ) انظر كتب التفسير المذكورة سابقا . ( 2 ) انظر تفسيرها في تفسير الطبري والزمخشري . ( 3 ) انظر تفسير السورة في تفسير جزء عم للإمام الشيخ محمد عبده .