محمد عزة دروزة

413

التفسير الحديث

بعد ذلك . وقد تعددت الأقوال في مداها فممّا قاله البغوي أن المعتزلة أوّلت الاستواء بالاستيلاء وأن أهل السنة قالوا إن الاستواء على العرش سنّة للَّه تعالى بلا كيف ويجب على المسلم الإيمان به ويكل العلم فيه إلى اللَّه عزّ وجلّ . وروى أن رجلا سأل الإمام مالك بن أنس عن الجملة فأطرق رأسه مليا وعلاه الرجفاء ثم قال له الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة . وما أظنك إلَّا ضالا ثم أمر به فأخرج . ومما قاله ابن كثير إن للناس في هذا الأمر مقالات كثيرة جدا . وإن خير مسلك هو مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرار الجملة كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ، ولا تعطيل . وأن الظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن اللَّه تعالى فإن اللَّه لا يشبهه شيء من خلقه ولَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ . وإن بعض الأئمة ومنهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قالوا من شبه اللَّه بخلقه كفر ومن جحد ما وصف اللَّه به نفسه كفر وليس فيما وصف اللَّه به نفسه تشبيه ، ومن أثبت للَّه تعالى ما وردت به الآيات الصريحة على الوجه الذي يليق بجلال اللَّه ونفى عنه النقائص فقد سلك سبيل الهدى . وهذا يفيد أن من المقالات ما كان يذهب أصحابه إلى أخذ العبارة بظاهرها بدون تأويل ولو أدّى ذلك إلى اعتبار اللَّه تعالى وعرشه مادة وكون اللَّه تعالى يجلس على عرشه كجلوس الملوك على الأسرة والعروش المادية . وروى الطبرسي عن الحسن أن استوى بمعنى استقرّ ملكه واستقام بعد خلقه السماوات والأرض . وقال إن ذلك هو على المتعارف من كلام العرب حيث يقولون استوى الملك على عرشه إذا انتظمت أمور مملكته وشلّ عرشه إذا اختلَّت . ومما قاله السيد رشيد رضا إن حقيقة الاستواء في اللغة التساوي واستقامة الشيء أو اعتداله . ويستعمل على الأكثر في المجاز فيقال استوى على الدابة وعلى السرير وعلى الفراش ويكون بمعنى التملَّك . ثم استطرد إلى القول إن أحدا من أصحاب رسول اللَّه لم يشتبه في معنى استواء اللَّه على العرش على علمهم بتنزّهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق إذ كانوا يفهمون أن استواءه على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السماوات