محمد عزة دروزة
344
التفسير الحديث
إلَّا عبيدا له يسجدون لمن خلقه من طين استغراقا في الخضوع له . وأن من كان هذا شأنه لا يجوز اتخاذه ربا أو شريكا للَّه واعتقاد القدرة فيه على النفع والضرّ والمنح والمنع . وفي القرآن آيات عديدة فيها حكاية تنصل الملائكة وتقرير بخضوعهم للَّه وعبوديتهم له مثل آيات سورة سبأ هذه : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ‹ 40 › قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ‹ 41 › وآية سورة النساء هذه : نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّه وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِه وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْه جَمِيعاً ‹ 172 › وآيات سورة الأنبياء هذه : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَه بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ‹ 26 › لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ ‹ 27 › يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِه مُشْفِقُونَ ‹ 28 › وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِله مِنْ دُونِه فَذلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‹ 29 › . وهذا التوجيه يؤدي إلى التساؤل عما إذا كان العرب يعرفون ما يرمز إليه تعبير إبليس وعما إذا كانوا يعرفون كذلك قصة آدم والملائكة وإبليس . لأن استحكام الحجة عليهم والتأثر بالعظة والعبرة منوطان بذلك على ما قررناه في المناسبات السابقة . وللإجابة على النقطة الأولى ينبغي أن نبحث في كلمة إبليس . فهناك من يقول إنها معربة من كلمة ديابوليس اليونانية التي كانت ترمز إلى الشيطان الموسوس ( 1 ) . وهناك من يقول إنها عربية الجذر والاشتقاق والصيغة وإنها من جذر ( أبلس ) بمعنى يئس وعلى صيغة إفعيل مثل إزميل . وفي القرآن ورد اشتقاق من هذا الجذر بهذا المعنى في آيات سورة الروم هذه : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ‹ 12 › وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ
--> ( 1 ) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ج 5 ص 309 وبعدها .