محمد عزة دروزة

337

التفسير الحديث

« 2 » ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدّهم من الأشرار : الآية تلهم أن معنى الأشرار فيها سقط المتاع أو المستضعفون ، أو الضالون ، وهو ما كان الكفار ينعتون به المؤمنين بالرسالة النبوية الذين كان كثير منهم في مبادئ الدعوة من الفقراء والمستضعفين . « 3 » اتخذناهم سخريا : قرئت اتخذناهم على أنها استفهام من الكفار وقرئت على أنها إخبار . وقرئت سخريا بكسر السين على معنى السخرية وبضمّ السين على معنى التسخير وكلا المعنيين لكلمة سخريا محتمل ووجيه . أما اتخذناهم فإن قراءتها على الإخبار أكثر اتساقا مع السياق ، وكلمة سخريا قرينة على ذلك حيث تكون الجملة تتمة لكلام الكفار ، ما لنا لا نرى الجماعات الذين كنا نعدهم من الأشرار وكنا نتخذهم سخريا أو خدما مسخّرين لخدمتنا . « 4 » أم زاغت عنهم الأبصار : هل لم نرهم معنا لأن أبصارنا زاغت عنهم ؟ . الآيات استمرار في السياق السابق أيضا . وفيها استطراد آخر إلى ذكر ما يكون بين الكفار في النار من حوار وعتاب وتلاوم وتحميل كل فريق مسؤولية المصير السيء الذي صار إليه على الفريق الآخر . وقد تكررت حكاية مثل هذا الحوار في سور أخرى ( 1 ) . وعبارة الآيات واضحة . وقد انتهت بتقرير رباني بأن هذا الجدل والخصام بين أهل النار واقع حقا . والآيتان [ 62 - 63 ] احتوتا حكاية ما يكون من تساؤل أهل النار عمن كانوا يظنونهم أشرارا أو سقط متاع . ويعنون بهم على ما تلهمه الآيات الذين اتبعوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ويقولون إنهم كانوا يستخدمونهم ويسخّرونهم في حاجاتهم أو يتخذونهم هزؤا . وينطوي في هذا تقريع لاذع يسمعه الكفار وخاصة رؤساءهم سلفا . فالذين يسألون عنهم كانوا من المتقين وصاروا إلى أحسن منازل النعيم والتكريم . وكلام الكفار الذي تحكيه الآيتان ينطوي على حكاية ما كان من استكبار الكفار - وخاصة زعماءهم - وتعاظمهم على المؤمنين لأن كثيرا منهم في بدء الأمر كان من الفقراء

--> ( 1 ) آيات سورة الأعراف [ 38 - 39 ] وسورة إبراهيم [ 21 ] وسورة سبأ [ 31 - 33 ] مثلا .