محمد عزة دروزة

308

التفسير الحديث

جزئيا ، لأن أسفار العهد القديم التي وردت فيها كانت متداولة بين أيدي الكتابيين وبخاصة اليهود الذين كان منهم جالية كبيرة في الحجاز في زمن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على ما ذكرناه في مناسبات سابقة ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات كثيرة عن داود وملكه وخطيئته وتوبته في بعضها تطابق مع ما جاء في الأسفار وفي بعضها مباينة له وفي بعضها إغراب عجيب ( 1 ) ومما يؤيد على كل حال ما قلناه من معرفة أهل بيئة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قصص داود وما كان يضيفه اليهود إليها من حواش . وربما كان عندهم أسفار وقراطيس أخرى فيها تفصيلات وزوائد لم ترد في الأسفار المتداولة اليوم . وننبه على أمر هام بالنسبة للأسلوب القرآني في قصص الأنبياء . فإنه جرى بصورة عامة على ذكر الأنبياء السابقين بأسلوب تكريمي وتنويهي وعتابي ولم يحتو ما احتوته بعض أسفار العهد القديم عن بعض الأنبياء المذكورين فيها مثلا من تهم وقصص فاحشة . وعلى المسلم أن يحتذي هذا الحذو ولا يتجاوز نطاقه لأن الإيمان بأنبياء اللَّه واحترامهم وتنزيههم ركن من أركان العقيدة الإسلامية على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة البقرة هذه : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ . . . [ 177 ] وقد وصف الأنبياء المذكورون في القرآن ومنهم طائفة أخرى ذكروا في سورة ( ص ) التي نحن في صدد تفسيرها بوصف عباد اللَّه والصالحين والصابرين والأخيار وذوي الزلفى عند اللَّه . ويجب على المسلم أن يذكر إلى هذا أن الأسفار المتداولة اليوم قد كتبت بأقلام بشرية وبعد الأحداث المذكورة فيها بمدة ما وأن من المحتمل كثيرا بل من المؤكد أنها اختلطت بالخيال والمبالغة وتعرضت للتحريف والتشويه المقصود وغير المقصود . وعليه أن يلاحظ حقيقة أخرى تبدو من الإمعان في قصص الأنبياء وهي أن أسلوب هذه القصص في القرآن ليس أسلوب سرد للأحداث وتدوين لها كما هو شأنها في الأسفار المتداولة

--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والبغوي والقرطبي والخازن وابن كثير مثلا .