محمد عزة دروزة
202
التفسير الحديث
ونحن بدورنا نقول إنه ليس في القرآن فيما يتبادر لنا من النصوص شيء صريح وقطعي بإمكان رؤية اللَّه عز وجل في الدنيا والآخرة . وفيه ما ينفي عنه المماثلة لأي شيء ما لا يمكن أن يتحقق أي معنى من معاني الرؤية البصرية إلَّا بها وفيه ما ينفي احتمال إدراك الأبصار له . وفي الأحاديث المأثورة ما فيه نفي لإمكان الرؤية مطلقا . وإذا كان من الحق أن يقال إن الأحاديث التي تذكر إمكان ذلك في الآخرة عديدة وقوية السند ولا يصح إنكارها فإن اتصال الأمر بالحياة الأخروية يسوغ عطفها على هذه الحياة المغيبة التي يجب الإيمان بها على إطلاقها . ونحن نرى بعد أن الخلاف والجدل والكلام في هذه المسألة وأمثالها مما يتصل بذات اللَّه عز وجل لا طائل من ورائه لأنه متصل بالحقيقة الإلهية الكبرى التي يجب الإيمان بوجوب وجودها استدلالا من الكون ورسالات الرسل دون الدخول في بحث كنهها أو ماهيتها الذي لا سبيل إلى الوصول منه إلى نتيجة إيجابية ، مع ملاحظة الضابط القرآني المحكم القاطع الذي ينطوي في الآية [ 11 ] من سورة الشورى وهو لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ومع ملاحظة أن الألفاظ المستعملة فيما يتصل بذات اللَّه تعالى إنما تستعمل للتقريب والتمثيل للسامعين من البشر بأسلوب خطابهم ومفهوماتهم فلا محل للدخول بسببها في متاهات لا نهاية لها . وأن الأولى أن يقف المسلم منها ومن أمثالها موقف المتحفظ المؤمن بتلك الحقيقة الكبرى مع التنزيه المطلق الواجب للَّه عزّ وجل عن المكان والحدود والجسمانية ، وما يتناقض معها من كيفيات وماهيات وحركات وهو ما كان عليه من السلف الصالح في الصدر الإسلامي الأول . هذا . مع القول بوجوب الإيمان بما صحّ عن رسول اللَّه من أخبار متصلة بالمشاهد الأخروية وبأنه لا بدّ من أن يكون في ذلك حكمة . وقد يتبادر من نصوص الأحاديث أن التبشير وإثارة الغبطة في نفوس المؤمنين وجعلهم يتوسلون بكل وسيلة إلى نيل رضاء اللَّه والمنزلة السامية عنده في الآخرة من تلك الحكمة . واللَّه أعلم .