محمد عزة دروزة
191
التفسير الحديث
وفي كل كبيرة وصغيرة وجليلة ودقيقة من خلق اللَّه وملكوته ، وفي عالم الحياة والجماد من الدقة والإتقان ما يبعث الذهول في النفس ويملأها بالدهشة ، وليس البنان وتكوينه إلَّا نقطة من محيط عظيم ، وعدم التشابه بعد ليس محصورا في أصابع اليد وبصماتها بل هو شامل لكل أعضاء الناس وأشكالهم وصورهم ! بل ليس هو خاصا بالبشر وإنما هو شامل لمخلوقات اللَّه عز وجل على اختلافها وكل ما هنالك أن الذهن البشري اهتدى إلى طريقة تسجيل البصمة للدلالة على الشخصية فانتشرت لأنها سهلة ، واختصاص البنان بالذكر ليس بدعا في القرآن يستلزم استنتاج أمور خاصة منه فقد جرت حكمة التنزيل القرآني على اختصاص شؤون بالذكر دون شؤون ، وأعمال دون أعمال ، وأخلاق دون أخلاق في معرض العظة والتذكير والإنذار والتبشير دون أن يكون الشيء المختص بالذكر هو الأهم والأخطر دائما ، وقد مرّ من ذلك أمثلة نبهنا إليها . ويستشهد بعضهم للتدليل على هذا المذهب ببعض آيات القرآن ومنها آية سورة فصلت هذه : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‹ 53 › ومنها آيات سورة الذاريات هذه : وَفِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ‹ 20 › وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ‹ 21 › وليس في الآيات ما يؤيد مذهبهم في تطبيق الآيات والإشارات القرآنية على ما يظهر من نواميس الكون والأنفس التي لم تكن معروفة . وهي تخاطب السامعين الجاحدين للرسالة النبوية وتنذرهم . والآية التي تلي آية سورة فصلت تنطوي على دليل حاسم على ذلك وهي : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ‹ 54 › وكذلك الأمر في الآيات التي تلت آيات سورة الذاريات . وواضح من هذا أنه ليس من مانع من الاستشهاد بالعبارات القرآنية على ما في الكون من عظمة وإبداع ونواميس وعجائب ظاهرة وخفية أو مكتشفة حديثا . بل هذا واجب لأن حكمة التنزيل قد هدفت إلى التدليل على عظمة الخالق وشمول قدرته وإيجاب الاتجاه إليه وحده فيما استعملته من أساليب التنبيه والاسترخاء