أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
103
أنساب الأشراف
فردا ولم يعزّ أحد من أولياء الباطل ولو كان الناس معه طرّا ، إنّه أتانا خبر من العراق حزننا وأفرحنا ، وساءنا وسرّنا ، أتانا قتل مصعب بن الزبير رحمه الله ، فأمّا الذي حزننا من ذلك فإنّ لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوي ذا الرأي والدين والحجى والنهى إلى جميل الصبر ، وكريم العزاء ، وأمّا الذي سرّنا من ذلك فإنّا قد علمنا أنّ قتله شهادة وأنّ الله جاعل ذلك لنا وله خيرة ، إنّ أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل ثمن وأخسّه فقتل . وإن قتل فمه ، قد قتل أبوه وعمّه [ 1 ] وهما من الخيار الصالحين ، إنّا والله ما نموت حبجا ، ما نموت إلَّا قتلا قعصا بأطراف الأسنّة وظباة السيوف ، ليس كما يموت بنو مروان في حجالهم ، فوالله ما قتل منهم رجل قطَّ في جاهليّة ولا إسلام ، ولئن ابتليت بالمصيبة بمصعب ، لقد ابتليت قبله بالمصيبة بإمامي عثمان بن عفّان ، ألا وإنّما الدنيا عاريّة من الملك الجبّار الذي لا يزول ملكه ، ولا يبيد سلطانه فإن تقبل عليّ لا آخذ الأشر البطر ، وإن تدبر عنّي لا أبك عليها بكاء الخرف الهتر [ 2 ] ، ثم نزل وهو يقول : خذيني فجرّيني ضباع وأبشري * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره قالوا : وتمثّل عبد الله حين قتل مصعب : لقد عجبت وما بالدهر من عجب * أنّي قتلت وأنت الحازم البطل
--> [ 1 ] بهامش الأصل : يعني السائب بن العوام قتل يوم اليمامة . [ 2 ] الهتر : ذهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن . القاموس .