أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

293

أنساب الأشراف

قالوا : وبعث عبد الملك عبد الرحمن بن مسعود الفزاري إلى الحجاج ، وأهل العراق لينظر في مظالمهم ، وما يشكون من الحجاج ، وأمر بإطلاق كراز وقد كان قد كلم فيه ، فبلغ الحجاج ذلك فعجل على كراز وراشد بن عوف ، ومسلم مولى مالك بن مسمع فقطع أيديهم وأرجلهم ، فدخل ابن مسعود ودماؤهم تشخب ، ولما قدم ابن مسعود على الحجاج صعد الحجاج المنبر ، وصعد ابن مسعود درجتين أو ثلاثا ، ثم قال : ألا من كان يطلب الحجاج بمظلمة فليقم ، فقال الحجاج : مه ، فقال : لا والله ما من مه ، ثم قال : يا أهل العراق جمع الله لكم خير الدنيا والآخرة فإياكم والشقاق والفتنة ، إني قد تركت ورائي خيلا من حديد وقوما لهم دين وليست لهم دنيا ، فإياكم أن تجمعوا دنياكم إلى دينهم ، ثم إنه انصرف إلى عبد الملك فأخبره بسوء سيرة الحجاج وظلمه وعذابه الناس ، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك : « إن ابن مسعود امرؤ ظنين علي ، قد بلغني أنه أساء علي الثناء ، وإن شيعة ابن الزبير لن تحبني أبدا ، وهو من شرارها وفجارها ، وليس مثله قرّب ولا صدق ، والسلام » ، فكتب إليه عبد الملك : « أما بعد فقد بلغني كتابك في ابن مسعود ، وليس مثله اتهم ، ولا ظن به ظن السوء ، والسلام » . وكان ابن مسعود صديقا لحضين بن المنذر ، فلقيه فسلم عليه فقال الحضين : ومن أنت عافاك الله ؟ فأعلم الحجاج ذلك ، فقال الحجاج : يا حضين أتعرف هذا ، قال : لا ، قال : كذبت ولكنك خفت أن يبلغني أنك سلمت عليه فأظن بك أنك تبلغه الأخبار قال : صدق الأمير وبرّ ، قال : فلا تخف ، فسلم عليه حضين وكلمه .