أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

254

أنساب الأشراف

عواقبه في الدنيا والآخرة فأمسكوا عن ذلك وكرهوه . فلما قرأ المنصور كتابه غضب وقرأه على الناس ، فعاد القواد والجند لأشدّ ما كانوا عليه ، وكان أشدّ الناس في ذلك قولا أسد بن المرزبان ونصر بن حرب وعقبة بن سلم ، وكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من أن يدخل اليه أحد ويمشون حوله ويسيرون إذا ركب ويقولون : أنت البقرة التي قال الله : « فذبحوها وما كادوا يفعلون » [ 1 ] . فشكاهم إلى المنصور فقال : إن هؤلاء قوم قد غلب عليهم حبّ هذا الفتى حتى سيط بدمائهم واجتمعت عليه آراؤهم ، وأنا والله يا ابن أخي وحبيب قلبي أخافهم عليك وعلى نفسي فلو قدّمته بين يديك حتى يكون بيني وبينك لكفّوا وأنا لك ناصح وأنت أعلم . وذكروا أنه دسّ إلى عيسى شربة سمّ فافلت منها ، فقال يحيى بن زياد بن أبي حزابة [ 2 ] البرجمي الشاعر : أفلتّ من شربة الطبيب كما أفلت ظبي الصريم من قبره من قانص يقنص الفريص [ 3 ] إذا ركَّب سهم الحتوف في وتره دافع عنك المليك صولته [ 4 ] بكفّ [ 5 ] ليث يزمر في خمره حين أتانا وفيه شربته [ 6 ] تعرف في سمعه وفي بصره ازعر قد طار عن [ 7 ] مفارقه وحف أثيث النبات من شعره ودخل سلم بن قتيبة على عيسى فقال له : أيها الرجل بايع هذا الأمير وقدّمه فإنك لن تخرج من الأمر وأرض عمك ، قال : أو ترى ان افعل ! قال : نعم ، قال : فإني افعل ، فاتى سلم المنصور فأعلمه بذلك فسرّ به وعظم له قدر سلم عنده . ودعا المنصور الناس إلى البيعة فتكلم عيسى وسلَّم الأمر إلى المهدي وصار بعده ، وخطب المنصور فشكر عيسى على ما كان منه وذكر انه التالي للمهدي عنده في موضعه من قلبه وحاله عنده ، ووهب له مالا عظيما وأقطعه قطائع خطيرة نفيسة وولَّاه الأهواز والكوفة وطساسيجها . فلما استخلف أمير المؤمنين المهدي ورأى

--> [ 1 ] سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 71 . [ 2 ] في اشعار أولاد الخلفاء ص 309 : جراية ، وترد فيه الآيات . [ 3 ] م : يقبض ، وفي اشعار أولاد الخلفاء : من قابض يقبض العريض . [ 4 ] اشعار أولاد الخلفاء : دافع عنه العظيم قدرته . [ 5 ] ن . م . : صولة . [ 6 ] ن . م . : حتى أتانا ونار شربته . [ 7 ] ط : من .