الشيخ السبحاني
21
تذكرة الأعيان
بحديث الرسول وكتابته وإفشائه إلى قرن ، عملًا محظوراً يُلام على فعله ، ويُحْرق كتابه بالنار ، ويذهب جهده سدى « 1 » . وقد سار الخلفاء على هذا النهي ، وقامت حياتهم السياسية على هذا الأَساس ، فكانت الصحابة والتابعون ممنوعين عن نشر ثاني أدلَّة الأَحكام ، وعدل القرآن ، إلى أن رُفِعَ الحظرُ في خلافة عمر بن عبد العزيز ، حيث أحسّ بضرورة تدوين الحديث ، فكتب رسالة إلى عالم المدينة أبي بكر بن حزم وأمره بكتابة حديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لَانّه يخافُ من دروس العلم وذهاب العلماء « 2 » . رُفِعَ الحظر ، وعادت فكرة إحياء ما دثر من الآثار إلى المجتمع الإِسلامي ، لكن بعد ما اختلط الحابل بالنابل ، وتسرَّبتْ موضوعات كثيرة عن طريق الأَحبار والرهبان إلى الأَوساط الإِسلامية ، وتفاقم الأَمر إلى حدٍّ أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه ، الذي يحتوي بلا تكرار على 2761 حديثاً من زهاء ستمائة ألف حديث « 3 » . ومع أنّ عمر بن عبد العزيز كان مؤَكِّداً على تدوين الحديث ولكنَّ رواسبَ الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر ، فلم تكتب بعد صدور الأَمر إلَّا صحائف غير مرتَّبة ولا منظَّمة ، وإنّما قام المحدّثون بهذه الوظيفة الخطيرة بعد ما زالت دولة الأُمويين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم ، فأخذوا بالكتابة والتدوين والتنظيم والترتيب « 4 » . ولئن خضعت رقاب ثلَّة من الصحابة والتابعين لهذا النهي رغباً أو رهباً الحديث ، وها هو الآن يقدم مسنداً ثالثاً للقرّاء ، ألا وهو مسند ابن مسلم الطائفي ، الذي كتب من أحاديث أبي جعفر الباقر - عليه السلام ثلاثين ألف حديث . كما كتب من أحاديث ابنه الإمام الصادق - عليه السلام - ستة عشر ألف حديث . ولكنّه رعاه اللَّه بعد الفحص الدَؤوب في زوايا المكتبات وغضون المعاجم لم يعثر إلَّا على ألفي حديث ، وهذا ان دلّ على شيء إنّما يدلّ على ضياع قسم كبير من أحاديث حافظنا الكبير .
--> « 1 » تقييد العلم للخطيب البغدادي : 52 . « 2 » الصحيح للبخاري : 1 - 27 . « 3 » إرشاد الساري لشهاب الدين القسطلاني : 1 - 28 . « 4 » تاريخ الخلفاء للسيوطي : 261 .