أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

259

أنساب الأشراف

فقال : أو ما معك أحد ؟ قلت : لا والله . فقال : ما لك مترك . وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني . فوالله ما رأيت أكرم مصاحبة منه : كنت أبلغ المنزل ، فينيخ جملي ثم يستأخر عنى . فإذا نزلت ، حطَّ عن بعيري ، وقيده ، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها . فإذا دنا الرواح ، قدّم البعير فرحله ثم استأخر وقال : اركبي . فإذا استويت على البعير ، قادني . فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة . فلما رأى قرية بنى عمرو بن عوف بقباء ، قال : زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله . ثم انصرف راجعا إلى مكة . 600 - وقدم المدينة بعد أبي سلمة ، عامر بن ربيعة العنزي ، وبلال ، وسعد ، وعمر ، وعمار . وخرج الناس مهاجرين متتابعين . فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش . ولم يبق بمكة من بنى أسد بن خزيمة أحد ، حتى أغلقوا أبوابهم . وأغلقت أبواب بنى البكير - وغير الكلبي يقول : بنى أبى البكير - وأبواب بنى مظعون . فمرّ عتبة بن ربيعة بدور بنى جحش ، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد . فتمثل قول الشاعر [ 1 ] : وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستلحقها النكراء والحوب وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ ، وأبو بكر رضى الله تعالى عنهما ، ليس معهم غيرهم . وأراد أبو بكر الهجرة . فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبس نفسه عليه . وكان قد علف راحلتين له ورق السمر أربعة أشهر . فلما أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، أتى أبا بكر ، فأعلمه الهجرة . فأعطاه إحدى تينك الراحلتين ، وهي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء ، من نعم بنى قشير ، فلم تزل عنده ، وماتت في أيام أبى بكر رضى الله تعالى عنه ، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج . ويقال بنقيع [ 2 ] الخيل . 601 - قالوا : تناظرت قريش في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر أصحابه . فقال أبو البختري العاص بن هاشم : نخرجه فنغيّب عنا وجهه ليصلح ذات بينها . وقال آخر : بل يقيد ويحبس حتى يهلكه ، ثم فرق [ 3 ] رأيهم على أن

--> [ 1 ] ابن هشام ، ص 316 ، السهيلي 1 / 285 وعزاه إلى أبى داود الإيادي . [ 2 ] خ : ببقيع . [ 3 ] أي استبان واتضح .