الشيخ السبحاني

85

التوحيد والشرك في القرآن

القسم الثاني من التفويض : إذا اعتقدنا بأن الله سبحانه فوض إلى أحد مخلوقيه بعض شؤونه كالتقنين والتشريع ، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع الله ، وجعلناه ندا له سبحانه ، كما يقول القرآن الكريم : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) ( البقرة - 165 ) . ولا ريب أن الموجود لا يقدر أن يكون ندا لله سبحانه إلا إذا كان قائما بفعل أو شأن من أفعال الله وشؤونه سبحانه " مستقلا " لا ما إذا قام به بإذن الله وأمره ، إذ لا يكون عند ذاك ندا لله ، بل يكون عبدا مطيعا له ، مؤتمرا بأمره ، منفذا لمشيئته تعالى . هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى وعرب الجاهلية اعتقاد فريق منهم بأن الله فوض حق التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) ( التوبة - 31 ) وأن الله فوض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة بالله إلى أصنامهم ومعبوداتهم ، وأن هذه الأصنام والمعبودات مستقلة في التصرف في هذه الشؤون ولأجل ذلك كانوا يعبدونها ، لأجل أنها شفعاؤهم عند الله ، وبأيديها أمر الشفاعة ، كما يقول سبحانه : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ( يونس - 18 ) . ولذلك أصرت الآيات القرآنية على القول بأنه لا يشفع أحد إلا بإذن الله ، فلو كان المشركون يعتقدون بأن معبوداتهم تشفع لهم بإذن الله لما كان لهذا الإصرار