الشيخ السبحاني
64
التوحيد والشرك في القرآن
( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) ( الأعراف - 173 ) . إذا تبين هذا فنقول : إن نزول هذه الآية في بيئة مشركة دليل - ولا شك - على وجود فريق معتد به في تلك البيئة كانوا يخالفون هذا الميثاق ، فإذا كانت الربوبية بمعنى الخالقية استلزم ذلك أن يكون في تلك البيئة من يخالفون النبي في الخالقية ، ولكن الفرض هو عدم وجود أي اختلاف في مسألة " توحيد الخالقية " في عصر الرسالة فلم يكن المشركون في ذلك العصر مخالفين في هذه المسألة ليعتبروا مخالفين للميثاق المذكور ، فلا محيص - حينئذ - من أن الخلاف كان - آنذاك - في مسألة تدبير العالم وإدارة الكون . وبهذا التقرير يكون معنى الرب في الآية المبحوثة هنا هو المدبر . ه - ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) ( غافر - 28 ) . تتعلق هذه الآية بمؤمن آل فرعون الذي كان يدافع عن النبي موسى - عليه السلام - وراء قناع النصيحة والصداقة لآل فرعون ويسعى تحت ستار الموافقة معهم أن يدفع الخطر عن ذلك النبي العظيم . وأما دلالتها على كون الرب بمعنى المدبر فواضحة ، لأن فرعون ما كان يدعي الخالقية للسماء والأرض ولا الشركة مع الله سبحانه في خلق العالم وإيجاده ، وهذه حقيقة يدل عليها تاريخ الفراعنة أيضا . وفي هذه الصورة يجب أن يكون المراد من دعوة النبي موسى بقوله : ربي الله ، هو حصر " التدبير " في الله سبحانه لا مسألة الخلق . ولو كانت تتعلق بمسألة الخلق والإيجاد لما كان بينه وبين فرعون أي خلاف ونزاع ، إذ المفروض اعتراف فرعون بخالقية الله - كما أسلفنا - ، هذا مضافا إلى أن الله تعالى يقول في الآية السابقة لهذه الآية : و - ( ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم ) ( غافر - 26 )