الشيخ السبحاني
118
التوحيد والشرك في القرآن
وما هو فعل عيسى - عليه السلام - إنما هو الأولان ، والثالث خارج عن فعله ، بل هو فعل الله بقرينة تقييد الثالث بإذن الله دون الأول والثاني . وعلى الجملة للخلق معنيان : 1 - الإيجاد من العدم . 2 - التقدير . والمتعين في المقام هو المعنى الثاني ، والإيجاد من العدم إنما يتصور فيما لم تكن هنا مادة متحولة ، والمفروض وجود " الطين " في المقام وما صدر عن عيسى هو " التقدير " أعني : تقدير الطين كهيئة الطير ، وبقي الثالث وهو صيروته طيرا حقيقيا فهو فعل الله يتحقق بإذنه سبحانه ، فلم يبق هنا فعل غير عادي يصح استناده إلى المسيح - عليه السلام - . أما الجواب فنقول أولا : إنا لا نسلم بأن قوله تعالى : ( بإذن الله ) راجع إلى الأمر الثالث ، بل من المحتمل جدا رجوعه إلى الأمور الثلاثة ، والشاهد عليه أنه قيد الأمر الأول من سورة المائدة بهذا القيد حيث قال سبحانه : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ) ( المائدة - 110 ) . وعلى ذلك فلا يدل تقييد الأمر الثالث بإذن الله على أن الأمرين الأولين فعل عيسى والأمر الثالث فعل الله سبحانه ، بل الكل فعله - عليه السلام - من جهة ، وفعل الله من جهة أخرى . وثانيا : لو سلمنا ذلك التكلف في خلق الطير ، فماذا يمكن أن يقال في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، التي هي من أفعال الله ، كصيرورة الطين طيرا ، فقد نسبه الله إلى نفسه ، وقال :