الشيخ السبحاني
104
التوحيد والشرك في القرآن
العبادية ، بل هي الدعوة العبادية عينها وليست مستلزمة لها ، وتكون مثل هذه الدعوة عبادة لا أنها مستلزمة للعبادة . ولكن إذا دعى الداعي أحدا ، مجردا عن الاعتقاد المذكور ، فلا تكون دعوته - حينئذ - عبادة له . الثالث : من الغريب جدا أن تصح الاستغاثة بالأحياء وتكون مشروعة - على الإطلاق - غافلا عن أنه لو كان مطلق الاستغاثة بغير الله ( حتى إذا لم تكن مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أو مالكية المستغاث ) شركا لما كان لموت المدعو وحياته أي أثر في هذا القسم . وما ورد عن النبي الأكرم من أن الدعاء مخ العبادة ، فالمراد هو الدعوة الخاصة ، أعني : ما إذا كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية المدعو . وبتعبير آخر : أن المقصود بالدعاء في الحديث المذكور إنما هو دعاء الله ، فيكون دعاء الله مخ العبادة . فأي ربط لهذا الحديث بدعوة الصالحين التي لا تكون مقرونة بأي شئ من الاعتقاد بإلوهية المدعو ؟ ! ! نعم يبقى هنا سؤال وهو أن دعوة الغير وإن لم تكن عبادة له على ما أوضحناه ، ولكنها أمر محرم بحكم هذه الآيات ، فدعوة الصالحين من الأموات من الدعوات المحرمة ، لأنها دعوة غيره سبحانه ، ودعوة الغير منهية عنه ، نعم لا تشمل الآيات دعوة الأحياء ، لأنه أمر جائز بالضرورة ، فيستنتج منها حرمة دعوة الصلحاء الماضين وإن لم يكن شركا . والجواب عنه واضح بعد الإحاطة بما ذكرناه لأن الآيات ناظرة إلى دعوة خاصة صادرة من المشركين ، وهي دعوة آلهتهم وأربابهم المزعومة ، والنهي عن هذه الدعوة المخصوصة لا توجب حرمة جميع الدعوات حتى فيما لم تكن بهذه المثابة .