الشيخ الصدوق
79
التوحيد
القلوب ( 1 ) المتعالي عن الأشياء والضروب ، والوتر ، علام الغيوب ، فمعاني الخلق عنه منفية ، وسرائرهم عليه غير خفية ، المعروف بغير كيفية ، لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ، ولا تقدره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام ، فكل ما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود ، وكيف يوصف بالأشباح ، وينعت بالألسن الفصاح ؟ من لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو عنها بائن ، ولم يخل منها فيقال أين ، ولم يقرب منها بالالتزاق ، ولم يبعد عنها بالافتراق ، بل هو في الأشياء بلا كيفية ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، وأبعد من الشبه من كل بعيد ( 2 ) لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ، ولا من أوائل كانت قبله بدية ( 3 ) بل خلق ما خلق ، وأتقن خلقه ، وصور ما صور ، فأحسن صورته ، فسبحان من توحد في علوه ، فليس لشئ منه امتناع ، ولا له بطاعة أحد من خلقه انتفاع ، إجابته للداعين سريعة ، والملائكة له في السماوات والأرض مطيعة ، كلم موسى تكليما بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات ( 4 ) سبحانه وتعالى عن الصفات ، فمن زعم أن إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود - والخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة - . 35 - حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه .
--> ( 1 ) في نسخة ( ب ) و ( ج ) ( البعيد من حدث القلوب ) . ( 2 ) في البحار وفي نسخة ( ج ) و ( و ) و ( ب ) ( وأبعد من الشبهة - الخ ) . ( 3 ) بدية أي مبتدئة ، والمعنى لم يخلق الأشياء على مثال أشياء مبتدئة قبل خلق هذه الأشياء ، بل فعله إبداع واختراع ، والجملتان نظير قول الرضا عليه السلام في الحديث الخامس من الباب السادس : الحمد لله فاطر الأشياء - الخ ، وفي نسخة ( ط ) و ( ن ) ( أبدية ) مكان بدية . ( 4 ) جمع لهاة وهي اللحمة الصغيرة المشرفة على الحلق في أقصى الفم تسمى باللسان الصغير عندها مخرج الكاف والقاف .