الشيخ الصدوق

261

التوحيد

الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم ، ولتصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ، فلا يزالون يبكون الدم ، ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكل معصية كانت منهم ، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم : ( لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ) ( 1 ) ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض ، فذلك قوله عز وجل : ( يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه ) ( 2 ) فيستنطقون فلا يتكلمون إلا ن أذن له الرحمن وقال صوابا ، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن فذلك قوله ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ( 3 ) ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المقام المحمود ، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد قبله ثم يثني على الملائكة كلهم فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله ، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة يبدء بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين ، فيحمده أهل السماوات والأرض ، فذلك قوله : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( 4 ) فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ ، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب ، ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض ( 5 ) وهذا كله قبل الحساب ، فإذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه ،

--> ( 1 ) فصلت : 21 . ( 2 ) عبس : 36 . ( 3 ) النساء : 41 . ( 4 ) الإسراء : 79 . ( 5 ) من الأدالة بمعنى نزع الدولة من أحد وتحويله إلى آخر ، يقال : أدال الله زيدا من عمرو أي نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد ، أو معنى رد الكره للمغلوب على الغالب ، يقال : أدال الله بني فلان من عدوهم أي رد الكرة لهم على عدوهم ، وفي نسخة ( ط ) ( ويدال بعضهم لبعض ) .