الثعالبي
337
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
السلام لله ، وتوكل عليه ، وقولهم : ( ما نبغي ) : يحتمل أن تكون " ما " استفهاما ، قاله قتادة : و ( نبغي ) : من البغية ، أي : ماذا نطلب بعد هذه التكرمة ، هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا ، قال الزجاج : ويحتمل أن تكون " ما " نافية ، أي : ما بقي لنا ما نطلب ، ويحتمل أن تكون أيضا نافية ، و ( نبغي ) من البغي ، أي : ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ، ولا في وصف إجماله وإكرامه ، هذه البضاعة ردت إلينا ، وقرأ أبو حيوة : " ما تبغي " ، على مخاطبة يعقوب ، وهي بمعنى ما تريد ، وما تطلب وقولهم : ( ونزداد كيل بعير ) يريدون بعير أخيهم ، إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة ، ولم يحمل الحادي عشر ، لغيب صاحبه ، وقولهم : ( ذلك كيل يسير ) : قيل : معناه : يسير على يوسف أن يعطيه . وقال السدي : ( يسير ) ، أي : سريع لا نحبس فيه ولا نمطل . وقوله تعالى : ( فلما آتوه موثقهم ) الآية : أي لما عاهدوه ، أشهد الله بينه وبينهم بقوله : ( الله على ما نقول وكيل ) ، و " الوكيل " : القيم الحافظ الضامن . وقوله : ( إلا أن يحاط بكم ) : لفظ عام لجميع وجوه الغلبة ، وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة ، وأشهد الله تعالى ، ووصى بنيه ، وأخبر بعد ذلك بتوكله ، فهذا توكل مع سبب ، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ في رفض السعي بالكلية ، وقنع بالماء وبقل البرية ، فتلك غاية التوكل ، وعليها بعض الأنبياء عليهم السلام ، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز ، قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي حمزة رضي الله عنه : وقد اشتمل القرآن على أحكام عديدة ، فمنها : التعلق بالله تعالى ، وترك الأسباب ، ومنها : عمل الأسباب في الظاهر ، وخلو الباطن من التعلق بها ، وهو أجلها وأزكاها ، لأن ذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد ، وذلك لا يكون إلا للأفذاذ الذين من الله عليهم بالتوفيق ، ولذلك مدح الله تعالى يعقوب عليه الصلاة والسلام في كتابه ، فقال : ( وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ يوسف : 68 ] لأنه عمل الأسباب ، واجتهد / في توفيتها ، وهو مقتضى الحكمة ، ثم رد الأمر كله لله تعالى ، واستسلم إليه ، وهو حقيقة التوحيد ، فقال : ( وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله . . . ) الآية ، فأثنى