الثعالبي
47
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
من " أية " ، كأنه قال : وجئتكم بأني أخلق ، و ( أخلق ) : معناه : أقدر وأهيئ بيدي . * ص * : ( كهيئة ) : الهيئة : الشكل والصورة ، وهو مصدر : هاء الشئ يهيئ هيئة ، وهيأ ، إذا ترتب واستقر على حال ما ، وتعديه بالتضعيف ، قال تعالى : ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) [ الكهف : 16 ] اه . وقرأ نافع وحده : " فيكون طائرا " ، بالإفراد ، أي : يكون طائرا من الطيور ، وقرأ الباقون : " فيكون طيرا " ، بالجمع ، وكذلك في " سورة المائدة " والطير : اسم جمع ، وليس من أبنية الجموع ، وإنما البناء في جمع طائر : أطيار ، وجمع الجمع : طيور . وقوله : ( فأنفخ فيه ) ، ذكر الضمير ، لأنه يحتمل أن يعود على الطين المهيئ ، ويحتمل أن يريد : فأنفخ في المذكور ، وأنث الضمير في " سورة المائدة " ، لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة ، أو على تأنيث لفظ الجماعة ، وكون عيسى يخلق بيده ، وينفخ بفيه ، إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة ، وأنها جاءت من قبله ، وأما الإيجاد من العدم ، وخلق الحياة في ذلك الطين ، فمن الله تعالى وحده ، لا شريك له . وروي في قصص هذه الآية ، أن عيسى - عليه السلام - كان يقول لبني إسرائيل : أي : الطير أشد خلقة ، وأصعب أن يحكى ؟ فيقولون : الخفاش ، لأنه طائر لا ريش له ، فكان يصنع من الطين خفافيش ، ثم ينفخ فيها فتطير ، وكل ذلك بحضرة الناس ، ومعاينتهم ، فكانوا يقولون : " هذا ساحر " ( وأبرئ ) معناه : أزيل المرض ، و ( الأكمه ) : هو الذي يولد أعمى مضموم العينين ، قاله ابن عباس وقتادة . قال * ع * : والأكمه ، في اللغة : هو الأعمى ، وقد كان عيسى - عليه السلام - يبرئ بدعائه ، ومسح يده على كل عاهة ، ولكن الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوءة لا يقوم إلا بالإبراء من العلل التي لا يبرئ منها طبيب بوجه ، وروي في إحيائه الموتى ، أنه كان يضرب بعصاه الميت ، أو القبر ، أو الجمجمة ، فيحيى الإنسان ، ويكلمه بإذن الله ، وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها ، وآيات عيسى - عليه السلام - إنما تجري فيما يعارض الطب ، لأن علم الطب كان شرف الناس في ذلك / الزمان ،