الثعالبي
420
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( 93 ) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ( 94 ) ) وقوله سبحانه : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا . . . ) الآية : قال ابن عباس وغيره : لما نزل تحريم الخمر ، قال قوم من الصحابة : يا رسول الله ، كيف بمن مات منا ، وهو يشربها ، ويأكل الميسر ، ونحو هذا من القول ، فنزلت هذه الآية ، وهذا نظير سؤالهم عمن من مات على القبلة الأولى ، والجناح : الإثم والحرج ، والتكرار في قوله سبحانه : " اتقوا " يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها ، وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم ، وليست الآية وقفا على من عمل الصالحات كلها ، واتقى كل التقوى ، بل هي لكل مؤمن ، وإن كان عاصيا أحيانا ، إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره ، محسن ، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه ، و ( طعموا ) : معناه : ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب ، وقد يستعار للنوم وغيره ، وحقيقته في حاسة الذوق . وقوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد ) ، أي : ليختبرنكم ليرى طاعتكم من معصيتكم ، وقوله : " بشئ " يقتضي تبعيضا ، و " من " : يحتمل أن تكون للتبعيض ، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس ، كقوله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) [ الحج : 30 ] . وقوله تعالى : ( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) : معناه : ليستمر علمه تعالى عليه ، وهو موجود ، إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل ، و ( بالغيب ) : قال الطبري : معناه : في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه ، فهو غائب عنه ، والظاهر أن المعنى : بالغيب من الناس ، أي : في الخلوة ممن خاف الله . انتهى ، قلت : وقول الطبري أظهر ، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد النهي بالعذاب الأليم ، وهو عذاب الآخرة .