الثعالبي

395

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

إلى خوف الفوت ، صاروا إلى الخوف الذي يكون في أعلى حال ، فكان الخوف الأول يطرقهم خطرات ، وصار خوف الفوت وطنات ، قلت : فما الحالة التي تكشف عن قلوبهم شديد الخوف والحزن ؟ قال : الرجاء بحسن الظن ، لمعرفتهم بسعة فضل الله عز وجل ، وأملهم منه أن يظفروا بمرادهم ، إذا وردوا عليه ، ولولا حسن ظنهم بربهم ، لتقطعت أنفسهم حسرات ، وماتوا كمدا ، قلت : أي شئ أكثر شغلهم ، وما الغالب على قلوبهم في جميع أحوالهم ؟ قال : كثرة الذكر لمحبوبهم على طريق الدوام والاستقامة ، لا يملون ، ولا يفترون ، وقد أجمع الحكماء أن من أحب شيئا ، أكثر من ذكره ، ثم قال : قال ذو النون : ما أولع أحد بذكر الله إلا أفاد منه حب الله تعالى . انتهى . وفي الآية إنحاء على المنافقين ، وعلى من ارتد في مدة النبي صلى الله عليه وسلم . قال الفخر : وهذه الآية إخبار بغيب ، وقد وقع الخبر على وفقه ، فيكون معجزا ، وقد ارتدت العرب وغيرهم أيام أبي بكر ، فنصر الله الدين ، وأتى بخير منهم . انتهى . وقوله سبحانه : ( أذلة على المؤمنين ) ، معناه : متذللين من قبل أنفسهم ، غير متكبرين ، وهذا كقوله عز وجل : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] ، وكقوله - عليه السلام - : " المؤمن هين لين " ، وفي قراءة ابن مسعود : " أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين " . وقوله تعالى : ( ولا يخافون لومة لائم ) : إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم يعتذرون بممالاة الأحلاف والمعارف من الكفار ، ويراعون أمرهم ، قلت : وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده على أبي ذر ، قال : " أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بسبع : أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي - يعني : في شأن الدنيا - ، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم ، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا ، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت ، وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم ، وأوصاني ألا أسأل الناس شيئا ، وأوصاني أن استكثر من : لا حول ولا قوة إلا بالله " . انتهى . وقوله سبحانه : ( ذلك فضل الله ) : الإشارة ب‍ " ذلك " إلى كون القوم يحبون الله