الثعالبي

256

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ( 61 ) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ( 62 ) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ( 63 ) ) وقوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك . . . ) الآية : تقول العرب : زعم فلان كذا ، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق ، وغاية درجة الزعم إذا قوي : أن يكون مظنونا ، وإذا قال سيبويه : زعم الخليل ، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به ، وكأن أقوى رتب " زعم " أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر . قال عامر الشعبي : / نزلت الآية في منافق اسمه بشر ، خاصم رجلا من اليهود ، فدعاه اليهودي إلى المسلمين ، لعلمه أنهم لا يرتشون ، وكان المنافق يدعو اليهودي إلى اليهود ، لعلمه أنهم يرتشون ، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهنا كان بالمدينة ، فرضياه ، فنزلت هذه الآية فيهما ، وفي صنفيهما ، فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد - عليه السلام - هم المنافقون ، والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبله هم اليهود ، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت ، والطاغوت هنا الكاهن المذكور ، فهذا تأنيب للصنفين . وقال ابن عباس : الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف ، وهو الذي تراضيا به ، وقيل غير هذا . وقوله : ( رأيت ) ، هي رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحا ، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكرا وتخابثا ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالقرائن الصادرة عنه . وقوله تعالى : ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) ، قالت فرقة : هي في المنافقين الذين احتكموا ، حسبما تقدم ، فالمعنى : فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه ، ثم حلفوا ، إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه .