الثعالبي
126
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وقوله سبحانه : ( ولا تلوون على أحد ) مبالغة في صفة الانهزام ، وقرأ حميد بن قيس : " على أحد " ( بضم الألف والحاء ) ، يريد الجبل ، والمعني بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان على الجبل ، والقراءة الشهيرة أقوى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر الناس ، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت ، وهو يدعوهم ، وروي أنه كان ينادى صلى الله عليه وسلم : " إلي ، عباد الله " ، والناس يفرون ، وفي قوله تعالى : ( في أخراكم ) : مدح له صلى الله الله عليه وسلم ، فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس ، ومنه قول الزبير بن باطا : ما فعل مقدمتنا إذا حملنا ، وحاميتنا إذا فررنا ، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، ومنه قول سلمة بن الأكوع / : كنا إذا احمر البأس ، اتقيناه برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله تعالى : ( فأثابكم ) : معناه : جازاكم على صنيعكم ، واختلف في معنى قوله تعالى : ( غما بغم ) ، فقال قوم : المعنى : أثابكم غما بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المسلمين بفشلكم ، وتنازعكم ، وعصيانكم . قال قتادة ، ومجاهد : الغم الأول : أن سمعوا ألا إن محمدا قد قتل ، والثاني : القتل والجراح . وقوله تعالى : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ) ، أي : من الغنيمة ، ولا ما أصابكم ، أي : من القتل والجراح ، وذل الانهزام ، واللام من قوله : " لكي لا " متعلقة ب " أثابكم " ، المعنى : لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم ، فأنتم آذيتم أنفسكم ، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة ، وأكثر قلق المعاقب وحزنه ، إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه ، ثم ذكر سبحانه أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين ، فغشي أهل الإخلاص ، قلت : وفي صحيح البخاري " ، عن أنس ، أن أبا طلحة قال : عشينا النعاس ، ونحن في مصافنا يوم أحد ، قال :