الثعالبي

123

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله سبحانه : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) ، جاء الخطاب لجميع المؤمنين ، وإن كانت الأمور التي عاتبهم سبحانه عليها ، لم يقع فيها جميعهم ، ولذلك وجوه من الفصاحة ، منها : وعظ الجميع ، وزجره ، إذ من لم يفعل معد أن يفعل ، إن لم يزجر ، ومنها : الستر والإبقاء على من فعل ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله ، إن صبروا وجدوا ، فصدقهم الله وعده ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صاف المشركين يومئذ ، ورتب الرماة ، على ما قد ذكرناه قبل هذا ، واشتعلت نار الحرب ، وأبلى حمزة بن عبد المطلب ، وأبو دجانة ، وعلي ، وعاصم بن أبي الأقلح ، وغيرهم ، وانهزم المشركون ، وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا ، فهذا معنى قوله عز وجل : ( إذ تحسونهم بإذنه ) ، والحسن : القتل الذريع ، يقال : حسهم إذا استأصلهم قتلا ، وحس البرد النبات . وقوله سبحانه : ( حتى إذا فشلتم ) ، يحتمل أن تكون " حتى " غاية ، كأنه قال : إلى أن فشلتم ، والأظهر الأقوى أن " إذا " على بابها تحتاج إلى الجواب ، ومذهب الخليل ، وسيبويه ، وفرسان الصناعة ، أن الجواب محذوف يدل عليه المعنى ، تقديره : انهزمتم ، ونحوه ، والفشل : استشعار العجز ، وترك الجد ، والتنازع هو الذي وقع بين الرماة ، ( وعصيتم ) : عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة ، وتأمل ( رحمك الله ) ما يوجبه الركون إلى الدنيا ، وما ينشأ عنها من الضرر ، وإذا كان مثل هؤلاء السادة على رفعتهم وعظيم منزلتهم ، حصل لهم بسببها ما حصل ، من الفشل والهزيمة ، فكيف بأمثالنا ، وقد حذر الله عز وجل ونبيه - عليه السلام - من الدنيا وآفاتها ، بما لا يخفى على ذي لب ، وقد ذكرنا في هذا " المختصر " جملة كافية لمن وفقه الله ، وشرح صدره ، وقد خرج البغوي في " المسند المنتخب " له ، عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه قال : " لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " . انتهى من " الكوكب الدري " .