الثعالبي

50

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

أما ترتيب التلاوة التعبدي فباق ، لأنه في ذات الكلام ، يدركه كل واقف عليه وتال له من الأجيال المتعاقبة ، بينما الترتيب التاريخي لا يدركه إلا شاهد العيان لتلك الملابسات من الجيل الذي كان معاصرا لنزول القرآن . . . وكان انقراض تلك الملابسات الوقتية محوجا إلى معرفتها معرفة نقلية تصورية ، ليتمكن الآتون من استعمال القرائن والأحوال ، التي اهتدى بها إلى معاني التراكيب القرآنية سابقوهم . وأما السبب الثاني : فهو أن دلالات القرآن الأصلية ، التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب - تتبعها معان تكون دلالة التراكيب عليها محل إجمال أو محل إبهام ، إذ يكون الترتيب صالحا على الترديد لمعان متباينة ، يتصور فيها معناه الأصلي ولا يتبين المراد منها ، كأن يقع التعبير عن ذات بإحدى صفاتها ، أو يكنى عن حقيقة بإحدى خواصها ، أو أحد لوازمها . . . ، فينشأ عن ذلك إجمال يتطلب بيانا ، أو إبهام يتطلب تعيينا . . . ولما كان الذين اتصلوا أولا بتلك المجملات أو المبهمات أو المطلقات قد رجعوا إلى المبلغ صلى الله عليه وسلم في طلب بيانها أو تعيينها أو تقييدها ، فتلقوا عندما أفادهم ، فاطلعوا بأن الذين أتوا بعدهم احتاجوا إلى معرفة تلك الأمور المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لتتضح لهم تلك المعاني ، كما اتضحت لمن قبلهم . . . " ( 1 ) . وبذا تبين أن التفسير نشأ منذ بدء الوحي ، إذ احتاج إليه الصحابة ، ثم زادت حاجة التابعين إلى التفسير ، ولا سيما ما رآه الصحابة وسمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتمكنوا هم من رؤيته ولا سماعه . . . ثم اشتدت حاجة تابعي التابعين . وهكذا كلما بعد الناس عن عصر نزوله ، زادت الحاجة إلى التفسير بمقدار ما زاد من غموض ( 2 ) . . . فهم الصحابة للقرآن الكريم نزل القرآن عربيا على رسول عربي ، وقوم عرب ، ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته . . . ) ( الجمعة : 2 ) ، فكانوا أخبر بلغتهم ، وفهموا القرآن حق فهمه ، وقد يشكل عليهم فهم آية منه ، فيرجعون إلى القرآن نفسه ، فقد يجدون فيه توضيحا أو تفصيلا ، وإلا رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفسر لهم ما أشكل عليهم . . .

--> ( 1 ) " التفسير ورجاله " من 10 - 13 . ( 2 ) راجع " التفسير والمفسرون " / للذهبي 1 / 101 - 102 .