الثعالبي

47

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) ( طه : 123 - 126 ) . وبه مخرج الأمة من أزماتها ، ونجاتها من الفتن ، يقول علي - كرم الله وجهه - : قلت : يا رسول الله ، ستكون فتن ، فما المخرج منها ؟ . قال : صلى الله عليه وسلم : " كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يلحق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به أفلح ، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم " . - ولكي يكون معجزا ويتأتى تحديه للبشر . . - ولكي يتأتى اتخاذه دستورا ومنهج حياة . . ولكي يتدبر المؤمنون آياته . . ( 1 ) . ولكي يستطيع المسلمون العرب الانطلاق بالدعوة ( 2 ) . . لكل هذا جاء القرآن عربيا . وكان القوم - " عند نزوله - سواء من هو حجة له ، من المؤمنين الصادقين ، ومن هو حجة عليه ، من الكافرين الجاحدين - يفهمونه ويحيطون بمعانيه إفرادا وتركيبا ، فيتلقون دعوته ، ويدركون مواعظه ، ويعون تحديه بالإعجاز بين مذعنين ، يقولون : آمنا به ، ومعاندين يلحدون في آياته ، ويمنعون في معارضته كيدا وليا بألسنتهم وطعنا في الدين . " فما كان منهم من تعذر عليه فهمه ، ولا من خفيت عليه مقاصده ومعانيه ، بل كان وضوح معانيه ، ويسر فهمه ، هو الأصل فيما قام حوله من صراع بين مؤمن يجد فيه شفاء نفسه ، وانشراح صدره ، وكافر ينقبض لقوارع آياته ، فلا يزال يدفعها بالاعراض والمعارضة ، والدفاع والمقارعة ، وكان ذلك هو الأصل أيضا في تكون الأمة المحمدية ، وتولد التاريخ الاسلامي " ( 3 ) .

--> ( 1 ) قال تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته . . . ) . ( 2 ) قال تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع . . . ) . ( 3 ) " التفسير ورجاله " / محمد الفاضل بن عاشور ص 7 - 8 .