الثعالبي

430

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

منزلتهم بقوله : ( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) ، ومعنى الفوقية هنا في الدرجة والقدر ، ويحتمل أن يريد أن نعيم المتقين في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن . قلت : وحكى الداوودي عن قتادة : فوقهم يوم القيامة . قال : فوقهم في الجنة ( 1 ) . انتهى . ومهما ذكرت الداوودي في هذا " المختصر " ، فإنما أريد أحمد بن نصر الفقيه المالكي ، ومن تفسيره أنا أنقل . انتهى . فإن تشوفت نفسك أيها الأخ إلى هذه الفوقية ، ونيل هذه الدرجة العلية ، فارفض دنياك الدنية ، وازهد فيها بالكلية ، لتسلم من كل آفة وبلية ، واقتد في ذلك بخير البرية . قال عياض في " شفاه " ( 2 ) : فانظر - رحمك الله - سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال ، تجده قد أوتي خزائن الأرض [ ومفاتيح البلاد ، وأحلت له الغنائم ( 3 ) ، ولم تحل لنبي قبله ، وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وآله وسلم بلاد الحجاز واليمن ، وجميع جزيرة العرب ، وما دانى ذلك من الشام والعراق ] ( 4 ) ، وجبيت إليه الأخماس ، [ وصدقاتها ما لا يجبى ( 5 ) للملوك إلا بعضه ] ( 6 ) ، وهادته جماعة من الملوك ، فما استأثر بشئ من ذلك ، ولا أمسك درهما منه ، بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره ، وقوى به المسلمين ، ومات صلى الله عليه وسلم ، ودرعه مرهونة في نفقة عياله ، واقتصر من نفقته وملبسه على ما تدعوه ضرورته إليه ، وزهد فيما سواه ، فكان - عليه

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 2 / 346 ) رقم ( 4050 ) ، وابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 258 ) ، والسيوطي في " الدر المنثور " ( 1 / 434 ) ، وعزاه لعبد الرزاق عن قتادة . ( 2 ) ينظر : " الشفاء " ( 122 - 123 ) . ( 3 ) الغنيمة في اللغة : ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي ، ومن ذلك قول الشاعر : [ الوافر ] وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب وتطلق الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة ، ومن قولهم للشيء يحصل عليه الإنسان عفوا بلا مشقة : " غنيمة باردة " . واصطلاحا : عرفها الشافعية بأنها : مال أو مال ألحق به ، كخمر محترمة ، حصل لنا من كفار أصليين حربيين ، مما هو لهم بقتال منا ، أو إيجاف خيل ما ، أو نحو ذلك . وعرفها الحنفية : بما نيل من أهل الشرك عنوة ، أي قهرا ، أو غلبة والحرب قائمة . وعرفها المالكية : بأنها اسم لما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل أو الركاب . وعرفها الحنابلة : بأنها ما أخذ من مال حربي قهرا بقتال وما ألحق به . . ينظر : " الإقناع " للخطيب الشربيني ( 2 / 517 ) ، " أنيس الفقهاء " ( 183 ) ، و " كشاف القناع " ( 3 / 77 ) . ( 4 ) من " الشفا " ( 1 / 123 ) . ( 5 ) يجبى : يجمع . ( 6 ) من " الشفا " ( 1 / 123 ) .