الثعالبي
372
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
كنتم تعلمون ( 184 ) ) قوله جلت قدرته : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام . . . ) الآية : ( كتب ) : معناه فرض ، والصيام ، في اللغة : الإمساك ، ومنه قوله سبحانه : ( إني نذرت للرحمن صوما ) [ مريم : 26 ] وفي الشرع : إمساك عن الطعام والشراب مقترنة به قرائن ، من مراعاة أوقات ، وغير ذلك . وقوله تعالى : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) : اختلف في موضع التشبيه : قالت فرقة : التشبيه : كتب عليكم كصيام قد تقدم في شرع غيركم ، ف " الذين " عام في النصارى ( 1 ) وغيرهم . و ( لعلكم ) : ترج في حقهم . و ( تتقون ) : قيل على العموم ، لأن الصيام ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " جنة ( 2 ) ووجاء ، وسبب
--> ( 1 ) هذا قول ، والقول الثاني : أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره ، وهذا ضعيف ، لأن تشبيه الشئ بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور ، فأما أن يقال : إنه يقتضي الاستواء في كل الأمور فلا . ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها . أحدها : أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود ، والنصارى ، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوما من السنة ، وزعموا أنه يوم غرق فيه فرعون ، وكذبوا في ذلك أيضا ، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان ، فصادفوا فيه الحر الشديد ، فحولوه إلى وقت لا يتغير ، ثم قالوا عند التحويل : نزيد فيه ، فزادوا عشرا ، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم ، فنذر سبعا ، فزادوه ، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال : ما بال هذه الثلاثة ، فأتمه خمسين يوما ، وهذا معنى قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) [ التوبة : 31 ] وهذا مروي عن الحسن . وثانيها : أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا ، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما ، ولهذا كره صوم يوم الشك ، وهو مروي عن الشعبي ، وثالثها : أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم . واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) [ البقرة : 187 ] يفيد نسخ هذا الحكم ، فهذا الحكم لابد فيه من دليل يدل عليه ، ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) ، فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلا على ثبوت هذا المعنى ، قال أصحاب القول الأول : قد بينا أن تشبيه شئ بشئ لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه ، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصا برمضان ، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما ، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك . ينظر : " الفخر الرازي " ( 5 / 60 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4 / 125 ) ، كتاب " الصوم " ، باب فضل الصوم حديث ( 1894 ) ، ومسلم ( 2 / 806 ) كتاب " الصيام " ، باب فضل الصيام حديث ( 162 / 1151 ) . ومالك ( 1 / 301 ) كتاب " الصيام " ، باب