الثعالبي

294

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

الحسن صفة نفسية للحسن ، ومراد الله تعالى حسن ، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا

--> ( 1 ) لا قبح عقلا وشرعا في شئ من الأشياء من حيث كونه مخلوقا لله ( تعالى ) ، سواء كانت أفعال العباد أو لا ، لأن مالك الأمور كلها يفعل ما يشاء . وأما أفعال العباد من حيث كونها منسوبة للعباد ، فقد تتصف بالحسن والقبح الشرعيين . هذا عند الأشاعرة ، وأما المعتزلة فقد قالوا : القبيح قبيح في نفسه ، فيقبح من الله ( تعالى ) كما يقبح منا ، وكذا الحسن ، وقد يدركان بالعقل ، فوقع الاختلاف بين الفريقين في أن العقل هل له حكم في حسن الأفعال وقبحها أم لا . بل الحاكم بهما الشرع فقط ؟ ! وتفصيل المقام على ما في شرح " المواقف " : أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان : الأول : كون الفعل صفة كمال كالعلم ، وكونه صفة نقصان كالجهل ، ولا نزاع بين الفريقين في أن الحسن والقبح بهذا المعنى يدركان بالعقل ، فإن العقل يحتم بأن العلم حسن ، والجهل قبيح ، ولا يتوقف على حكم الشرع بالحسن والقبح فيهما . والمعنى الثاني : كون الفعل ملائما للغرض أو منافرا له ، فما وافق الغرض كان حسنا ، وما خالفه كان قبيحا ، وما خلا منهما لا يكون حسنا ولا قبيحا . وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة ، فيقال : الحسن ما فيه مصلحة ، والقبيح : ما فيه مفسدة ، وما خلا عنهما لا يكون حسنا ولا قبيحا . ولا نزاع في أن الحسن والقبح بهذا المعنى أيضا عقليان ، أي يدركان بالعقل ، لكن هذا المعنى يختلف بالاعتبار ، فإن قتل زيد مصلحة لأعدائه وموافق لغرضهم ، ومفسدة لأوليائه ومخالف لغرضهم ، والمعنى الثالث : كون الفعل متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا ، وكونه متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا . وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع ، فالحسن والقبح بهذا المعنى عند الأشعري شرعي ، وذلك لأنهما لا يكونان لذات الفعل ، وليس للفعل صفة لأجلها يكون الفعل حسنا وقبيحا بهذا المعنى الثالث حتى يدرك العقل ما به الحسن والقبح ، ويحكم بالحسن والقبح ، بل كل ما أمر الشارع به فهو حسن ، وكل ما نهى الشارع عنه قبيح ، حتى لو عكس الأمر لانعكس الحال . وقالت المعتزلة : للفعل في نفسه ( أي مع قطع النظر عن الشرع ) جهة محسنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا أو مقبحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا . ثم إن تلك الجهة المقتضية لهما هو ذات الفعل عند جمهور المتقدمين منهم ، وصفة حقيقية زائدة على ذات الفعل عند بعض المتقدمين منهم . وقال الجبائي منهم : ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية لها ، بل لوجوه واعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب . ثم إن المعتزلة قالوا : إن من الحسن والقبح ما يدركه العقل ضرورة من غير نظر واستدلال ، كحسن الصدق النافع ، وقبح الكذب الضار . ومنهما ما يدركه العقل بالنظر والاستدلال ، كقبح الصدق الضار ، وحسن الكذب النافع . ومنهما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالاستدلال ، كحسن صوم آخر رمضان ، وقبح صوم أول شوال ، لكن إذا ورد به الشرع ، وعلم أن ثمة جهة محسنة ومقبحة ، فإدراكه الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بأمره ونهيه . وللماتريدية موافقة للمعتزلة في أن حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له ، ويعرفان عقلا كما يعرفان شرعا . ينظر : " نشر الطوالع " ( ص 278 - 280 ) ، " البحر المحيط " للزركشي ( 1 / 143 ، 168 ) ، " البرهان " لإمام الحرمين ( 1 / 87 ) ، " سلاسل الذهب " للزركشي ( 97 ) ، " الإحكام في أصول الأحكام " للآمدي ( 1 / 76 ) ، " التمهيد " للأسنوي ( 11 - 62 ) ، " نهاية السول " له ( 1 / 88 ) ، " زوائد الأصول " له ( 195 ) ، " منهاج العقول " للبدخشي ( 1 / 670 ) ، " غاية الوصول " للشيخ زكريا الأنصاري ( 7 ) ، " التحصيل من المحصول " للأرموي ( 1 / 175 - 180 ) ، " المنخول " للغزالي ( 8 ) ، " المستصفى " له ( 1 / 55 ) ، " حاشيد البناني ( 1 /