الثعالبي

28

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وكان - رحمه الله - أورع زمانه ، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم ، وأتاه في مرضه بعض من يذمه من علماء عصره ، فطلب منه أن يمسح له ، فغفر له ودعا له ، ولما مات بكى عليه هذا العالم شديدا وتألم ، ومتى ذكره بكى ويقول : فقدت الدنيا بفقده ، كان يثني كثيرا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه ، وكان يصلح بين الخصام ، ويقضي الحوائج ، ذكر أنه كتب يوما ثلاثين كتابا بلا فترة ، قال : " كلفني بها انسان لم أقدر على ردها " . ولو كان انسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار ، وهذه مصائب ابتلينا بها . ومن صبر كثرة وقوفه مع الخلق ، ولا يفارق الرجل حتى ينصرف . وهذا كله مع إدامة الطاعات وسواء الطريقة وشدة التحرز والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها ، إذا أعار كتابا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه ، وربما كان سفرا ضخما لا يمكن مطالعته إلا في ثلاثة أيام ، فيطالعه يوما واحدا ويرده . وكان يأمر أهله بالصدقة سيما وقت الجوع ويقول : من أحب الجنة فليكثر الصدقة ، خصوصا في الغلاء ، كثير التصدق بيده ، ويكثر الخروج للخلوات ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار ، وإذا رأى ما كان منها متقنا ذكر حديث : " رحم الله عبدا صنع شيئا فأتقنه " . ويقول : أين سكانها ؟ وكيف يتنعمون ؟ " وأما تأليفه فقال الملالي : منها شرحه الكبير على " الحوفية " المسمى " المقرب المستوفى " كبير الجرم ، كثير العلم ، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما ، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان تعجب منه ، وأمر بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة ، لئلا يصاب بالعين ، ويقول له : لا نظير له فيما أعلم ، ودعا لمؤلفه ، وعقيدته الكبرى سماها " عقيدة التوحيد " في كراريس من القالب الرباعي ، أول ما صنفه في الفن ، ثم شرحها ، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا ، ثم الصغرى وشرحها في ست ، وهي من أجل العقائد ، لا تعادلها عقيدة ، كما أشار إليه هو . حدثني بعضهم أنه مات قريبة وكان صالحا ، فرآه في النوم . فسأله عن حاله فقال : دخلت الجنة فرأيت إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) يقرئ صبيانا عقيدة السنوسي ، يدرسونها في الألواح يجهرون بقراءتها - اه‍ . قال الشيخ : لا شك أنه لا نظير لها فيما علمت ، تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد ، وقد نظم سيدي محمد بن يحبش التازي في مدحها أبياتا ، وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى ، وشرحها أربع كراريس ، وفيه فوائد ونكت ، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة من جرما ، وشرحها خمس كراريس ، وشرح الأسماء الحسنى في كراريس ،