الثعالبي
194
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
و ( يكاد ) فعل ينفي المعنى مع إيجابه ، ويوجبه مع النفي ( 1 ) ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار ، والخطف : الانتزاع بسرعة ، ومعنى ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم ، ومن جعل البرق في المثل الزجر والوعيد ، قال : يكاد ذلك يصيبهم . و " كلما " : ظرف ، والعامل فيه " مشوا " ، و " قاموا " معناه : ثبتوا ، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره : كلما سمع المنافقون القرآن ، وظهرت لهم الحجج ، أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل من القرآن ما يعمهون فيه ، ويضلون به ، أو يكلفونه ، قاموا ، أي : ثبتوا على نفاقهم . وروي عن ابن مسعود ، أن معنى الآية : كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم ، وتوالت عليهم النعم ، قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة ، سخطوه وثبتوا في نفاقهم ( 2 ) . ووحد السمع ، لأنه مصدر يقع للواحد والجمع . وقوله سبحانه : ( على كل شئ قدير ) لفظه العموم ، ومعناه عند / المتكلمين : فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه ، وقدير بمعنى قادر ، وفيه مبالغة ، وخص هنا سبحانه صفته التي هي القدرة - بالذكر ، لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة ، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك .
--> ( 1 ) وزعم جماعة منهم ابن جني وأبو البقاء وابن عطية أن نفيها إثبات وإثباتها نفي ، حتى ألغز بعضهم فيها فقال : [ الطويل ] أنحوي هذا العصر ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود إذا نفيت - والله أعلم - أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود وحكوا عن ذي الرمة أنه لما أنشد قوله : [ الطويل ] إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح عيب عليه لأنه قال : لم يكد يبرح فيكون قد برح ، فغيره إلى قوله : " لم يزل " أو ما هو بمعناه ، والذي غر هؤلاء قوله تعالى : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) [ البقرة : 71 ] قالوا : فهي هنا منفية وخبرها مثبت في المعنى ، لأن الذبح وقع لقوله : ( فذبحوها ) . والجواب عن هذه الآية من وجهين : أحدهما : أنه يحتمل على اختلاف وقتين ، أي : ذبحوها في وقت ، وما كادوا يفعلون في وقت آخر . والثاني : أنه عبر بنفي الفعل عن شدة تعنتهم وعسرهم في الفعل . وأما ما حكوه عن ذي الرمة فقد غلط الجمهور ذا الرمة في رجوعه من قوله وقالوا : هو أبلغ وأحسن مما غيره إليه . ينظر : " الدر المصون " ( 1 / 140 ) . ( 2 ) ينظر : ابن عطية ( 1 / 104 ) .