محمد بن جرير الطبري
249
تاريخ الطبري
يقولون لو ترك الأفشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذ هذا لا يشتهى إلا المماطلة فبلغه ذلك وما كثر المطوعة فيه ويتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحب المناجزة وإنما يريد التطويل حتى قال بعضهم إنه رأى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له قل للافشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية كأنه مستور فبعث الأفشين إلى رؤساء المطوعة فأحضرهم وقال لهم أحب أن تروني هذا الرجل فان الناس يرون في المنام أبوابا فأتوه بالرجل في جماعة من الناس فسلم عليه فقربه وأدناه وقال له قص على رؤياك لا تحتشم ولا تستحى فإنما تؤدى قال رأيت كذا ورأيت كذا فقال الله يعلم كل شئ قبل كل أحد وما أريد بهذا الخلق ان الله تبارك وتعالى لو أراد أن يأمر الجبال أن ترجم أحدا لرجم الكافر وكفانا مؤنته كيف يرجمني حتى أكفيه مؤنة الكافر كان يرجمه ولا يحتاج أن أقاتله أنا وأنا أعلم أن الله عز وجل لا يخفى عليه خافية فهو مطلع على قلبي وما أريد بكم يا مساكين فقال رجل من المطوعة من أهل الدين يا أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن كانت قد حضرت وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك فلعل الله أن يفتح علينا فقال الأفشين إني أرى نياتكم حاضرة وأحسب هذا الامر يريده الله وهو خير إن شاء الله وقد نشطتم ونشط الناس والله أعلم ما كان هذا رأيي وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم وأرجو أن يكون أراد هذا الامر وهو خير اعزموا على بركة الله أي يوم أحببتم حتى نناهضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فخرج القوم مستبشرين فبشروا أصحابهم فمن كان أراد أن ينصرف أقام ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلك رجع ووعد الناس ليوم وأمر الجند والفرسان والرجالة وجميع الناس بالاهبة وأظهر أنه يريد الحرب لا محالة وخرج الأفشين وحمل المال والزاد ولم يبق في العسكر بغل إلا وضع عليه محمل للجرحى وأخرج معه المتطببين وحمل الكعك والسويق وغير ذلك وجميع ما يحتاج إليه وزحف الناس