محمد بن جرير الطبري
348
تاريخ الطبري
صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل ورجالا يدخلان مكة فعدلنا إليهما فسلمنا عليهما ثم مضينا فقال لي محمد بن عون ما ترى حال هذين ودخولهما مكة قلت أحسب الرجل قد مات فأرادا أن يحصنا مكة فكان ذلك كذلك فبينا نحن نسير إذا رجل خفى الشخص في طمرين ونحن بعد في غلس قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا ثم أقبل علينا فقال مات والله الرجل ثم خفى عنا فمضينا نحن حتى أتينا العسكر فدخلنا السرادق الذي كنا نجلس فيه في كل يوم فإذا بموسى بن المهدى قد صدر عند عمود السرادق وإذا القاسم بن منصور في ناحية السرادق وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرق إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة ويؤمر الناس أن يرفعوا القصص إليه قال فلما رأيته في ناحية السرادق ورأيت موسى مصدرا علمت أن المنصور قد مات قال فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد فجلس إلى جنبي فصارت فخذه على فخذي وجاء الناس حتى ملؤا السرادق وفيهم ابن عياش المنتوف فبينا نحن كذلك إذ سمعنا همسا من بكاء فقال لي الحسن أترى الرجل مات قلت لا أحسب ذلك ولكن لعله ثقيل أو أصابته غشية فما راعنا إلا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خلفه وعلى رأسه التراب فصاح وا أمير المؤمنيناه فما بقي في السرادق أحد إلا قام على رجليه ثم أهووا نحو مضارب أبى جعفر يريدون الدخول فمنعهم الخدم ودفعوا في صدورهم وقال ابن عياش المنتوف سبحان الله أما شهدتم موت خليفة قط اجلسوا رحمكم الله فجلس الناس وقام القاسم فشق ثيابه ووضع التراب على رأسه وموسى جالس على حاله وكان صبيا رطبا ما يتحلحل ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس فألقى أسفله على الأرض وتناول طرفه ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس فأخذ القرطاس وقال قد أمكنكم البكاء ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين لابد من أن نقرأه عليكم فأنصتوا