محمد بن جرير الطبري

576

تاريخ الطبري

عن علي بن محمد ان الله اختار الاسلام دينا وارتضاه وطهره وافترض فيه حقوقا أمر بها ونهى عن أمور حرمها ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم فأكمل فيه كل منقبة خير وجسيم فضل ثم تولاه فكان له حافظا ولأهله المقيمين حدوده وليا يحوطهم ويعرفهم بفضل الاسلام فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله وينتهى إليه فيناوئه أحد بميثاق أو بحلول صرف ما حباه الله به أو ينكث ناكث إلا كان كيده إلا وهن ومكره إلا بور حتى يتم الله ما أعطاه ويدخر له أجره ومثوبته ويجعل عدوه الاضل سبيلا الاخسر عملا فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه قاضين فيه بحكمه متبعين فيه لكتابه فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمت به النعم عليهم قد رضى الله بهم لها حتى توفى هشام ثم أفضى الامر إلى عدو الله الوليد المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مسلم ولا يقدم عليها كافر تكرما عن غشيان مثلها فلما استفاض ذلك منه واستعلن واشتد فيه البلاء وسفك فيه الدماء وأخذت الأموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن الله ليخلى العاملين بها إلا قليلا سرت إليه مع انتظار مراجعته واعذار إلى الله وإلى المسلمين منكرا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله متوخيا من الله اتمام الذي نويت من اعتدال عمود الدين والاخذ في أهله بما هو رضى حتى أتيت جندا وقد وغرت صدورهم على عدو الله لما رأوا من عمله فإن عدو الله لم يكن يرى من شرائع الاسلام شيئا إلا أراد تبديله والعمل فيه بغير ما أنزل الله وكان ذلك منه شائعا شاملا عريان لم يجعل الله فيه سترا ولا لاحد فيه شكا فذكرت لهم الذي نقمت وخفت من فساد الدين والدنيا وحضضتهم على تلافى دينهم والمحاماة عنه وهم في ذلك مستريبون قد خافوا أن يكونوا قد أبقوا لأنفسهم بما قاموا عليه إلى أن دعوتهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم من أولى الدين والرضى وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حتى لقى عدو الله إلى جانب قرية يقال لها البخراء فدعوه إلى أن يكون الامر شورى ينظر المسلمون لأنفسهم من يقلدونه ممن اتفقوا عليه فلم يجب عدو الله إلى ذلك وأبى إلا تتابعا في ضلالته فبدرهم الحملة جهالة بالله فوجد الله عزيزا