محمد بن جرير الطبري

529

تاريخ الطبري

ابن نعيم على نصر وقدما بالكتاب وهو أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه وجل ثناؤه وتعالى ذكره اختار الاسلام دينا لنفسه وجعله خير خيرته من خلقه ثم اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس فبعثهم به وأمرهم به وكان بينهم وبين من مضى من الأمم وخلا من القرون قرنا فقرنا يدعون إلى التي هي أحسن ويهدون إلى صراط مستقيم حتى انتهت كرامة الله في نبوته إلى محمد صلوات الله عليه على حين دروس من العلم وعمى من الناس وتشتيت من الهوى وتفرق من السبل وطموس من أعلام الحق فأبان الله به الهدى وكشف به العمى واستنقذ به من الضلالة والردى وأبهج به الدين وجعله رحمة للعالمين وختم به وحيه وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله وقفى به على آثارهم مصدقا لما نزل معهم ومهيمنا عليه وداعيا إليه وآمرا به حتى كان من أجابه من أمته ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به مصدقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذبهم فيه قومهم منتصحين لهم فيما ينهونه ذابين لحرمهم عما كانوا منتهكين معظمين منها لما كانوا مصغرين فليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد كان يسمع لاحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبا ولا عليه في ذلك طاعنا ولا له مؤذيا بتسفيه له أورد عليه إذ جحد لما أنزل الله عليه معه فلم يبق كافر إلا استحل بذلك دمه وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوته حين قبض نبيه صلى الله عليه وسلم وختم به وحيه لانفاذ حكمه وإقامة سنته وحدوده والاخذ بفرائضه وحقوقه تأييدا بهم للاسلام وتشييدا بهم لعراه وتقوية بهم لقوى حبله ودفعا بهم عن حريمه وعدلا بهم بين عباده وإصلاحا بهم لبلاده فإنه تبارك وتعالى يقول : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه الله ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه وسلطهم عليه وجعله نكالا وموعظة لغيره وكذلك صنع الله ممن فارق