محمد بن جرير الطبري
183
تاريخ الطبري
حتى تظفر به قال الفرزدق فطلبت أشد طلب حتى جعل من كان يؤويني يخرجني من عنده فضاقت على الأرض فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق إذ مر بي الذي جاء في طلبي فلما كان الليل أتيت بعض أخوالي من بنى ضبة وعندهم عرس ولم أكن طعمت قبل ذلك طعاما فقلت آتيهم فأصيب من الطعام قال فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادي فرس وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلا إلينا فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه فخرجت منه وألقوا الحائط فعاد مكانه ثم قالوا ما رأيناه وبحثوا ساعة ثم خرجوا فلما أصبحنا جاؤني فقالوا اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا وجمعوا ثمن راحلتين وكلموا لي مقاعسا أحد بنى تيم الله بن ثعلبة وكان دليلا يسافر للتجار قال فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل فلم يفتح لنا الباب فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة فقلت يا مقاعس أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالا أيقدرون علينا قال نعم يرصدوننا ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم قال فقلت ما تقول العرب قال يقولون أمهله يوما وليلة ثم خذه فارتحل فقال إني أخاف السباع فقلت السباع أهون من زياد فارتحلنا لا نرى شيئا إلا خلفناه ولزمنا شخص لا يفارقنا فقلت يا مقاعس أترى هذا الشخص لم نمرر بشئ إلا جاوزناه غيره فإنه يسايرنا منذ الليلة قال هذا السبع قال فكأنه فهم كلامنا فتقدم حتى ربض على متن الطريق فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا بثنايين وأخذت قوسي وقال مقاعس يا ثعلب أتدري ممن فررنا إليك من زياد فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشى ناقتينا قال فقلت أرميه فقال لا تهجه فإنه إذا أصبح ذهب قال فجعل يرعد ويبرق ويزئر ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح فلما رآه ولى وأنشأ الفرزدق يقول ما كنت أحسبني جبانا بعد ما * لا قيت ليلة جانب الأنهار ليثا كأن على يديه رحالة * شثن البراثن مؤجد الأظفار لما سمعت له زمازم أجهشت * نفسي إلى وقلت أين فراري