الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
2 بحوث 3 1 - هل أبدى الرسول ليونة إزاء المشركين ؟ بالرغم من أن بعض السطحيين أرادوا الاستفادة من هذه الآيات لنفي العصمة عن الأنبياء ، وقالوا أنه طبقا للآيات أعلاه وأسباب النزول المرتبطة بها إن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أبدى ليونة إزاء عبدة الأصنام ، وأن الله عاتبه على ذلك . إلا أن هذه الآيات صريحة في افهام مقصودها بحيث لا تحتاج إلى شواهد أخرى على بطلان هذا النوع من التفكير ، لأن الآية الثانية تقول وبصراحة : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . ومفهوم التثبيت الإلهي ( والذي نعتبره بأنه العصمة ) أنه منع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من التوجه إلى مزالق عبدة الأصنام ، ولا يعني ظاهر الآية - في حال - أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مال إلى المشركين ، ثم نهي عن ذلك بوحي من الله تعالى . وتوضيح ذلك ، إن الآية الأولى والثانية هما في الحقيقة إشارة إلى حالتين مختلفتين للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، الحالة الأولى هي الحالة البشرية والإنسانية والتي تجلت بشكل واضح في الآية الأولى ، وبمقتضى هذه الحالة يمكن تأثير وساوس الأعداء في الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خاصة إذا كانت ثمة مرجحات في إظهار الليونة والتوجه إليهم ، من قبيل رغبته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أن يسلم زعماء الشرك بعد إظهار الليونة ، أو أن يمنع بذلك سفك الدماء . والآية تكشف عن احتمال وقوع الإنسان العادي ومهما كان قويا تحت تأثير الأعداء . أما الآية الثانية فهي ذات طبيعة معنوية ، إذ هي تبين العصمة الإلهية ولطفه الخاص سبحانه وتعالى الذي يشمل به الأنبياء خصوصا نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حينما يمر بمنعطفات ومزالق دقيقة . والنتيجة أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالطبع البشري قد وصل إلى حافة القبول ببعض وساوس الأعداء ، إلا أن التأييد الإلهي ( العصمة ) ثبته وحفظه وأنقذه من الانزلاق .